***     نود أن نلفت انتباه السادة الزوار إلى ضرورة تغيير المتصفح - اكسبلورر،فيرفوس،جوجل كروم - إذا تعذر مشاهدة الفيديوهات الموجودة في رابط الفيديو الدعوي .---.     ***     
أدعوكم الى الانضمام والمشاركة في صفحتي على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

     فـتــاوى وأحــــكــــــام

New Page 1

كتاب اليتيم وأحكامه للشيخ سعدشرف

03/11/2012 07:41:00

 

 

 

 

 

اليتيم وأحكامه

في

الشريعة الإسلامية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تأليف

الشيخ سعد بشير شرف

ماجستير فقه وتشريع – الجامعة الأردنية


 

 

 

 

الإهداء

 

أهدي هذا الجهد الكتاب إلى كل من ابتلاه الله تعالى باليتم ، وإلى كل من أكرمه الله تعالى بكفالة يتيم ، وإلى كل من حباه الله تعالى بإيواء يتيم وإلى كل من سخط الله عليه بأكل مالٍ ليتيم أو إيذاءٍ له .

إلى تلك الأرواح السامية التي جعلت من الإنفاق في سبيل الله تعالى ديدنا لها .

إلى كل من جعل نشر العلم الشرعي مبتغاه ، إلى كل من طلب العلم ابتغاء وجه الله تعالى .

إلى كل أصحاب الفضل علي من عباد الله تعالى : رسول الله صلى الله عليه وسلم وشيخي محمد هاشم بغدادي قدس سره ، ووالدَيّ وزوجتي وأساتذتي جزاهم الله تعالى خيرا عني وعن المسلمين.

 

 

تحريرا في 27/7/2004

الشيخ سعد شرف


 

 

 

 

المقدمة

 

قلة أولئك الناس الذين أكرمهم الله تعالى بتربية أو كفالة يتيم ويعلمون ما يتعلق باليتيم من أحكام شرعية . وقليلة هي الكتب التي جمعت أحكام اليتيم بين دفتيها .

 

كان ذلك السبب الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب محاولا جمع ما أستطيعه من الأحكام والفتاوى في موضوع اليتيم ، غير مدع استيفاء الموضوع ولا ملتزم بمذهب فقهي محدد .

 

يتألف الكتاب من ثلاثة فصول رئيسة ، جعلت الأول في الحديث عن مكانة اليتيم في نظر الشريعة الإسلامية وثواب تكريمه وكفالته ، وجعلت الفصل الثاني للحديث عن الأحكام الفقهية في موضوع اليتيم عبر ثمان وثلاثين مسألة معزوة إلى مراجعها ، وجعلت الفصل الثالث للحديث عن فتاوى معاصرة في موضوع اليتيم .

 

أسأل الله تعالى أن يبارك جهدنا هذا وأن يجزي كل من ساهم ماليا في إخراجه إنه سميع مجيب.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

مكانة اليتيم في الإسلام


 

المبحث الأول:اليتيم في اللغة والاصطلاح

اليتامى جمع يتيم مثل ندمى جمع نديم ، واليتم في بني آدم بفقد الأب ، وفي البهائم بفقد الأم ، وحكى الماوردي أن اليتيم  يقال في بني آدم في فقد الأم والأول المعروف .

   وأصله الانفراد يقال: صبي يتيم أي : منفرد من أبيه ، وبيت يتيم أي لبس قبله ولا بعده شيء من الشعر . ودرة يتيمة ليس لها نظير . وقيل : أصله الإبطاء فسمى به اليتيم ؛لأن البر يبطئ عنه.(انظر تفسير القرطبي ج: 2 ص: 14)

 

 وينبغي أن تعتبر في   اليتيم  أربعة أوصاف : موت الأب وإن كانت الأم باقية ، والصغر لقوله عليه السلام: لا يتم بعد حلم. والإسلام ؛ لأنه مال للمسلمين ،  والحاجة ؛ لأنه معد للمصالح.( انظر زاد المسير ج: 3 ص: 360)

 

المبحث الثاني: هل يُعد اللقيطُ يتيما؟

اللقيط : بمعنى الملقوط من اللقطة: ولفظة لقيط تدل على معناها ، أي الملقوط من قبل شخص ما؛ عندما عثر عليه في مكان ما؛ لسبب ما مجهول.

       ولذا يسمى نبي الله موسى عليه السلام لقيطا؛ لأن أمه ألقت به في النهر خوفا عليه من آل فرعون، وعندما وجد التقط من قبلهم مجهولا لا يعرفون عنه شيئا قال تعالى(فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) - طه .

ويعرّف الفقهاء اللقيط بأنه : الطفل المنبوذ المطروح المرمى به مجهول الأبوين والنسب.

وعرفه ابن الحاجب : بأنه طفل ضائع لا كافل له .

وعرفه بعض أهل العلم  : بأنه مولود طرحه أهله خوفا من العيلة-الفقر- أو فرارا من التهمة به.

ويبدو لكثير من الناس لأول وهلة أن اللقيط هو ابن الزنا وأنه لا أهل له ولا عشيرة، وهذا خطأ لاحتمالات كثيرة .

 وكما ذكر في التعريفات السابقة أن اللقيط هو مولود طرحه أهله خوفا من العيلة والفقر أو فرارا من التهمة. فقد يكون له أبوان ولكن دفعتهما أسباب قاهرة إلى إلقائه عسى أن تمتد إليه يد رحيمة تتولى أمره.

 

 وقد يكون من ضمن هذه الأسباب ما يلي :

·أن يكون الولد ثمرة زواج عجزت الأم عن إثباته، وخشي الطرفان من التهمة لعدم توفر بعض شروط العقد الصحيح وهو ما يعرف في الفقه الإسلامي بـ (النكاح الفاسد). كأن لم يرض به ولي المرأة أو تم بدون شاهدين أو غير ذلك من صور العقد الفاسد، أو تم الزواج مخالفا لنظام البلد بدون مستند يثبت هذا الزواج.

· أو يكون من إفرازات ما يسمى زواج المسيار الذي يتم بالسر ويشترط الطرفان أو أحدهما عدم الإنجاب ، فإذا حدث الحمل حدثت المشكلة ثم السعي لحلها بالتخلص من الولد خشية التهمة، وتبعات إفشاء سر الزواج التي ستنعكس على الطرفين دون التفكير في مصير هذا الطفل.

 

· قد يكون الولد مسروقا وهو في المهد في غفلة من أهله؛ بقصد الإيذاء أو لغرض الاستغلال أو لعدم إنجاب الأطفال، ثم ندم الفاعل وخشي أن يكشف أمره فيتورط، فألقاه في مكان ما تخلصا منه.

· قد يكون الأب مصابا بمرض الشك تجاه زوجته مما يجعله يتهمها في طفلها ويخشى أن ينسب إليه ظانا أنه من غيره، فيتخلص منه بتركه في مكان ما، ثم يدعي موته وهو في الحقيقة ابنه الشرعي.

· قد تكره الزوجة زوجها كرها شديدا بسبب فساده وانحراف أخلاقه أو إيذائه لها فتفارقه وهو لا يعلم بحملها. وعندما تلد فإنها لا تتقبل الطفل وتكرهه امتدادا لكره الأب، فتتخلى الأم عن طفلها في حالة لا تشعر فيها بمغبة تصرفها عندما تسلمه للأب وهو لا يعترف به فينكره ويتخلص منه بتركه لا سيما وهو منحرف ولا يبالي بما يفعل.

 

· قد تمرض الأم مرضا مزمنا مع عدم وجود العائل وضيق الحال وكثرة الأطفال فتتركه في المستشفى.

· أن يكون الطفل ثمرة شيخ طاعن في السن من امرأة صغيرة، وهذا مستحيل في نظر أبنائه فيتهمون زوجة أبيهم بهتانا بينهم وبين أنفسهم ويخشون أن ينتسب المولود إليهم ويقاسمهم الإرث، فيتخلصون منه بطريقة مدبرة بإلقائه في مكان ما ويدعون موته.

·أو أن يترك الطفل لسبب آخر غير الأسباب التي ذكرت كأمثلة فقط ، وغيرها كثير وغامض وفي غاية التعقيد حيث يصعب حصره.

 

ولتتمة هذا المبحث لا بد أن نعرف الابن غير الشرعي : وهو المولود نتيجة لقاء محرم بين رجل وامرأة لا يربطهما عقد نكاح شرعي، وفي هذه الحالة لا يحكم على المولود من هذا اللقاء إلا إذا أثبت ذلك شرعا ، وتكون أمه معروفة، أما والده في الغالب فغير معروف .

أما الطفل المحروم: فهو الطفل الذي حرم من الرعاية المناسبة لإشباع حاجاته الفردية.

 

ويحدد معجم مصطلحات التنمية الاجتماعية الطفل المحروم في الطفل اللقيط أو المتخلى عنه، الذي ولد لأب وأم غير معروفين وتركاه، أو تركه المسؤولون عنه قانونا.

نخلص من هذا إلى أن اللقيط يعد يتيما من الناحية اللغوية والشرعية والاجتماعية. كما لا يجوز أن نحكم على لقيط بعينه أنه ابن غير شرعي للاحتمالات الكثيرة التي ذكرت والتي لم تذكر .

 

المبحث الثالث :اهتمام الإسلام باليتيم والترهيب من أكل ماله

 

يظهر هذا الاهتمام من خلال المظاهر الآتية :

أولا: قال تعالى:(وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا)

هذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها،  فقالت طائفة : هذا وعظ للأوصياء أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم قاله ابن عباس ؛ ولهذا قال الله تعالى(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما )

 

وقالت طائفة المراد جميع الناس أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم وأن يسددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده . ومن هذا ما حكاه الشيباني قال :كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبد الملك فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان فقلت له:يا أبا بشر ودي ألا يكون لي ولد ، فقال لي: ما عليك، ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت أحب أو كره ، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم ثم تلا الآية ، وفي رواية : ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ فقلت بلى ، فتلا هذه الآية( وليخش الذين لو تركوا إلى آخرها)قال القرطبي: ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال)من أحسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرملة أخلف الله في تركته) وقول ثالث قاله جمع من المفسرين أن هذه الآية في الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته عند وصيته :إن الله سيرزق ولدك فأنظر لنفسك وأوص بمالك في سبيل الله وتصدق وأعتق حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته فنهوا عن ذلك فكأن الآية تقوله لهم كما تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله.

 

قال هذا التفسير : ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد. وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوص بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك ولكن يقول قدم لنفسك واترك لولدك فذلك قوله تعالى(فليتقوا الله).

 

 وقال بعض العلماء نزلت في عكس هذا وهو: أن يقول للمحتضر من يحضره أمسك على ورثتك وأبق لولدك فليس أحد أحق بمالك من أولادك ، وينهاه عن الوصية فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصي له.

 

فقيل لهم كما تخشون ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم فكذلك سددوا القول في جهة المساكين واليتامى واتقوا الله في ضررهم وهذان القولان مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث.

 

  وروى عن سعيد بن جبير وابن المسيب قال ابن عطية : وهذان القولان لا يطرد-لا ينطبق- واحد منهما في كل الناس بل الناس صنفان يصلح لأحدهما القول الواحد والآخر القول الثاني ، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية ويحمل على أن يقدم لنفسه ، وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم من ماله والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين فالمراعاة إنما هو الضعف فيجب أن يمال معه.

 

قال القرطبي: وهذا التفصيل صحيح لقوله عليه السلام لسعد:( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)(انظر صحيح البخاري 1/435).

 

فإن لم يكن للإنسان ولد أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح فيكون وزره عليه. (انظر:تفسير القرطبي في تفسير ج: 5 ص: 51وما بعدها)

 

ثانيا: قال تعالى : (فأما اليتيم فلا تقهر)

أي لا تسلط عليه بالظلم وادفع إليه حقه وأذكر يُتمك ، وعن مجاهد: فلا تقهر أي فلا تحتقر . وقرأ النخعي والأشهب العقيلي: تكهر بالكاف ، وكذلك هو في مصحف إبن مسعود .

فعلى هذا يحتمل أن يكون نهيا عن قهره بظلمه وأخذ ماله. وخص اليتيم  لأنه لا ناصر له غير الله تعالى فغلظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه ،  وكهره إذا أشتد عليه وغلظ ، وفي (صحيح مسلم1/381) من حديث معاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة برد السلام قال :فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فوا الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني .

 

ودلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه ، حتى قال قتادة : كُن لليتيم كالأب الرحيم ، وروى عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال له:إن أردت أن يلين فأمسح رأس اليتيم وأطعم المسكين .(انظر مجمع الزوائد 8/160)

وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا وكافل اليتيم  له أو لغيره كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى .(صحيح مسلم 1/408)

 

ومن حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن اليتيم إذا بكى أهتز لبكائه عرش الرحمن فيقول الله تعالى لملائكته يا ملائكتي من ذا الذي أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم ، فيقول الله تعالى لملائكته يا ملائكتي أشهدوا أن من أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة. فكان ابن عمر إذا رأى يتيما مسح برأسه وأعطاه شيئا .-لم أجد له أصلا-

وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضم يتيما فكان في نفقته وكفاه مئونته كان له حجابا من النار يوم القيامة ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة.(انظر مجمع الزوائد8/161)

 وقال أكثم ابن صيفي : الأذلاء أربعة النمام والكذاب والمديون واليتيم. (انظرالقرطبي في تفسيره ج: 20 ص: 100)

 

ثالثا: عن أبي هريرة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن؟ قال : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم  وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. ( صحيح مسلم ج: 1 ص: 92)

 

فقد عد الله تعالى أكل مال اليتيم كبيرة من الكبائر التي تهلك المرء وتحلق دينه إن لم يسعف مرتكبها نفسه بتوبة صادقة وعزم أكيد على تركها .

 

رابعا:  عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كافل اليتيم  له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار مالك بالسبابة والوسطى. (في صحيح مسلم أيضا ج: 4 ص: 2287)

 

فهنيئا لمن كان من الأتقياء وجعل مع تقواه كفالة وعناية ورعاية ليتيم ، هنيئا له مرافقة سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

 

خامسا:عن أبى برزة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا فقيل : من هم يا رسول الله؟  قال : ألم تر الله يقول أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا؟

فاحذر يا أخي إن كنت من هؤلاء وأدرك نفسك قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون .

 

سادسا: أخبر الله تعالى عن الكفار فقال: بل لا تكرمون اليتيم ، قرأ أهل البصرة :(بل لا يكرمون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين و يأكلون التراث أكلا لما و يحبون المال حبا جما )بالياء ومعنى الآية : إني أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم.     

 

والآية تحتمل معنيين :أحدهما: أنهم كانوا لا يبرونه ، والثاني: لا يعطونه حقه من الميراث ، وكذلك كانت عادة الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان . ويدل على المعنى الأول قوله تعالى:( ولا تحاضون على طعام المسكين) والمعنى: لا يأمرون بإطعامه لأنهم لا يرجون ثواب الآخرة . ويدل على المعنى الثاني قوله تعالى :(وتأكلون التراث أكلا لما).(انظر زاد المسير ج: 9 ص: 120)

 

سابعا:حذَّر القرآن الكريم من أخذ مال اليتيم بغير حق قال تعالى : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن )

إن الله سبحانه وتعالى أكد النهي عن أكل مال اليتيم ظلماً، فقال جل من قائل: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)  وقال: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً) 

 

ثم ذكر آية مفردة في وعيد من يأكل أموال اليتامى، وحدد فيها نوع الجزاء والعقاب، فقال: ) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً) ، أي إذا أكلوا مال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون في بطونهم ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة.

 

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (مسلم 1/92، والبخاري 3/1017)قال السدي، يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه وأنفه وعينيه، فيعرفه كل من رآه بأكل مال اليتيم. وروى ابن مردويه من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً"(مجمع الزوائد7/2) (موارد الظمآن 1/639)

   

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحرِّج مال الضعيفين المرأة واليتيم" أي أوصيكم باجتنابهما رواه ابن مردويه.(صحيح ابن حبان12/376)  وقد ذكر سبحانه وتعالى الأكل، إلا أن المراد منه كل أنواع الإتلافات، فإن ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل، أو بطريق آخر، فأكل مال اليتيم ظلماً إذاً كبيرة بالإجماع.  كما أن النار هي جزاء آكله ، وهذا ثابت كتاباً وسنة وإجماعاً.

 

لقد كانت للعناية الإلهية العظيمة بالأيتام وضعاف المسلمين من أرامل وغيرهن ، عظيم الأثر في فؤاد النبي صلي الله عليه وسلم .   فقد أنزل الله تعالى على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم وحيًا مباشرًا يحثه على مثل ما أراده سبحانه من سائر الأمة حيث قال له سبحانه : (00 ألم يجدك يتيمًا فآوى . ووجدك ضالاً فهدي . ووجدك عائلاً فأغنى . فأما اليتيم فلا تقهر . وأما السائل فلا تنهر .وأما بنعمة ربك فحدث )  .  وهذا من كمال العناية الإلهية في الإرشاد والتوجيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث خصه بخطاب في ذلك ، ليكون له مزيد عناية بهؤلاء الضعفاء ، على ما كان عليه النبي صلي الله عليه وسلم من الرأفة الكاملة والرحمة التامة بهم وبأمثالهم من سائر الخليقة كما علم ذلك من سيرته صلي الله عليه وسلم .

 

أما عنايته صلي الله عليه وسلم بهم بنفسه ، فيتمثل بأنه قد كان يضمهم إليه ويجعلهم كأبنائه ومن يعول  :  ‏1- وذلك كما فعل بأولاد أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي - رضي الله عنه - الذي مات سنة 4هـ عن أولاد صغار ، وعن زوجته الكريمة أم سلمة- هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية – فيتم الأطفال ، وتأيمت المرأة ، فقام النبي صلي الله عليه وسلم بكفالتهم جميعًا كما يكفل أبناءه .

 

‏2- فإنه صلى الله عليه وسلم لما علم بانقضاء عدة أم سلمة – رضي الله عنها – أرسل إليها يخطبها ليكفلها وأولادها ، وقال لها لما أرادت أن تعتذر إليه بغيرتها وكثرة صبيانها : [ أما قولك :إني غَيْرَى ، فسأدعو الله فتذهب غيرتك ، وأما قولك : فإني امرأة مصبية فستكفين صبيانك ] (النسائي3/286) فرضيت وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وعال أيتامها.

‏3- ولما أفاء الله تعالى عليه كان يلي أمر كل مسلم يموت وله عيال ويقول : ( أنا أولي بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا أو كلاً أو ضياعًا فعلي وإلي ، ومن ترك مالاً فلورثته ) . ( البخارى ومسلم ) .

د عبد الله الفقيه مشرف مركز الفتوى (انظر:موقع الشبكة الإسلامية بقطر)

 

المبحث الرابع : علو منزلة أم الأيتام في الجنة

  قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم( أنا وامرأة سفعاء الخدين، كهاتين يوم القيامة، وأومأ بالوسطى والسبابة،امرأة آمت من زوجها، ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا)صحيح مسلم2/603 

 

وجاء في الأثر( حرم الله على كل آدمي الجنة، يدخلها قبلي،غير أني أنظر عن يميني، فإذا امرأة تبادرني إلى باب الجنة، فأقول: مال هذه تبادرني؟ فيقال: يا محمد هذه امرأة كانت حسناء وجميلة وكان عندها يتامى لها، فصبرت عليهن حتى بلغ أمرهن الذي بلغ، فشكر الله لها ذلك) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 10/436

 

وعن أنس بن مالك : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة في ظل العرش يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله واصل الرحم يزيد الله في رزقه ويمد في أجله وامرأة مات زوجها وترك عليها ايتاما صغاراً فقالت لا أتزوج أقيم على أيتامي حتى يموتوا  أو يغنيهم الله وعبد صنع طعامـاً فأضاف ضيفه وأحسن نفقته فدعا إليه اليتيم والمسكين فأطعمهم لوجه الله عز وجل. (الفردوس بمأثور الخطاب ج: 2 ص: 99)

 

هذه هي أم الأيتام،الصابرة المحتسبة التي كانت تسهر ليناموا، وتتعب جسدها ليرتاحوا، وكابدت في الحياة من أجلهم وصبرت عليهم وعلى تربيتهم00

     هذه التي آثرت ما عند الله على شهواتها وملذاتها واحتسبت ذلك عند الله ووهبت حياتها لأيتامها، رغم منصبها وجمالها00

هذه أم أعلاها الله ورفعها في جنان الخلد، حتى صارت بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى0

    فأكرمها الكريم وأجزل لها العطاء، وأعطاها ما لم تكن تتخيل أو يخطر لها على بال.

 

هذه الأم تغبطها يوم القيامة جميع النساء ويتمنين أن يكن في الدنيا مثلها وأن يكرمن بدخول الجنة بهذه السرعة وعلو المكان0

فيا أم اليتامى استعيني بالله واصبري وربي هذا اليتيم على التقوى والصلاح وخذي بيديه إلى طرق الخير فهو أمانة ستحاسبين عليه فإن حفظت الأمانة كان الجزاء والتكريم ,وإن ضيعت الأمانة كان الخزي والندامة.

 

المبحث الخامس: حث النبي على كفالة اليتيم

 
 ندب النبي صلى الله عليه وسلم  بأحاديث قوليه رغبهم فيها على كفالة الأيتام ورعايتهم والقيام بما يصلح أمور دينهم ودنياهم ، وأقواله في ذلك كثيرة منها :

‏1- قوله صلي الله عليه وسلم : ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا  وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما) ( رواه البخاري) .

‏2- وفي رواية :( كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو في الجنة كهاتين ) وأشار مالك - راوي الحديث- بالسبابة والوسطى .

‏3- وجاء في حديث آخر عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال : ( أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة ) وأومأ بيده الوسطى والسبابة.(أبو داود 4/338)

‏4- : وفي رواية: امرأة آمت - أي مات زوجها وتركها أيمًا - من زوجها ذات منصب وجمال ، حبست نفسها علي يتاماها حتى بانوا أو ماتوا  .

 

وفي هذا التصوير من الدلالة على عظيم العناية باليتيم ما يستوجب المسارعة إلى ذلك كما قال شراح الحديث : " حق علي من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلي الله عليه وسلم في الجنة قال : ( ولا منزلة في الجنة أفضل من ذلك ) .

‏5- وقد جاء التأكيد علي بشارة كافل اليتيم والمحسن إليه بالجنة في أحاديث أخرى ، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( من ضم يتيمًا بين مسلمين في طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة ، ومن أدرك والديه أو أحدهما ثم لم يبرهما دخل النار فأبعده الله ، وأيما مسلم أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار ) . (سبق تخريجه)

 

‏المبحث السادس: إشعار اليتامى بالحنان والعطف :

لقد كانت عنايته صلى الله عليه وسلم بهم غير مقتصرة على الحث على الكفالة والرعاية، بل كذلك في إشعارهم بالحنان والمحبة ، وإدخال الأنس في قلوبهم الذي كانوا يألفونه من آبائهم ، حتى لا يشعروا بفقد الأب الحاني لوجود من يعوضهم عن حنوه وعطفه وبره :

‏1- فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال:( امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين ) . (سبق تخريجه)

‏2- وعن أبي أمامة - رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له في كل شعرة مرت عليها يده حسنات ومن أحسن إلى يتيمه أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين ، وفرق بين أصبعيه السبابة والوسطى ) .(مجمع الزوائد 8/160)

 

ولا شك أن اليتيم وهو الذي لم يزل في عالم الطفولة الآنسة بالملاعبة واللطافة ، سيأنس جدًا بمثل هذه المسحة الحانية، وهذا التلطف الأبوي ، وسيجد بذلك من يعوضه عن أبيه في مثل ذلك الأنس الذي فقده إياه ، وما كان سينال ذلك لولا هذا التوجيه النبوي العظيم الذي يجعل كل المسلمين أبًا حنونًا علي اليتيم .
وأيا كان أسلوب إشعار اليتيم بالعطف والحنو فإنه داخل في مضمون هذه الأحاديث وأمثالها .

 

المبحث السابع:حاجة كافل اليتيم إلى الإخلاص

الفرع الأول:تعريف الإخلاص

الإخلاص هو: الإخلاص هو توحيد الإرادة والقصد، بأن تفرد الله عز وجل بقصدك وإرادتك فلا تلتفت إلى شيء مع الله تبارك وتعالى. (انظر:مدارج السالكين 2/92).

 

 ومن الأمور الدالة على أهمية الإخلاص، وعظيم منزلته: أنه حقيقة الإسلام الذي بعث الله عز وجل به المرسلين عليهم الصلاة والسلام: كما ذكر الشيخ تقي ابن تيمية رحمه الله، قال: إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا غيره كما قال الله تعالى في سورة الزمر:(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا.. يقول: فمن لم يستسلم لله؛ فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره؛ فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ضد الشرك والكبر(انظر مجموع الفتاوى 10/14)

 

ومما يدل على أهميته أنه الفطرة التي فطر الله الناس عليها وبه قوام الأمة ، فالله تعالى ما فطر الناس على الرياء ، وعلى المقاصد السيئة، وعلى الشرك بالله عز وجل، إنما فطرهم على التوحيد ، ولا شك أن الإخلاص هو التوحيد، مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على معاذ بن جبل فسأله: ما قوام هذه الأمة؟ فقال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص: وهو الفطرة كما جاء في سورة الروم ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا…)  والصلاة: وهي الملة. والطاعة: وهى العصمة ، فقال عمر رضى الله عنه: صدقت .

ومن هنا نعلم شأن الإرادات والمقاصد والنيات، وخطرها، وعظيم أثرها وشأنها.

ولهذا قال يحي إن أبي كثير رحمه الله تعالى: تعلموا النية؛ فإنها أبلغ من العمل . وذلك لأنها تبلغ بصاحبها ما لا يبلغه عمله.

 

ويقول ابن أبي جمرة- وهو أحد شراح الصحيح- : وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد في تدريس أعمال النيات ليس إلا؛ فإنه ما أتي على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك.

 

الفرع الثاني:الإخلاص في الكتاب والسنة:

· الإخلاص يذكر في كتاب الله عز وجل كثيراً:

تارة: يأمر الله عز وجل به، كقوله في سورة غافر:( فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...)

وتارة: يخبر أنه دعاء الله لخلقه كما في سورة البينة :( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...)

وتارة: يخبر أن الجنة لا تصلح إلا لأهله، كما قال في سورة الصافات( إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)

 

وتارة: يخبرنا بمواضع أنه لن ينجو من شَرِكِ إبليس إلا من كان مُخلِصاً لله عز وجل، كما قال في سورة الحجر:( إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين)َ. بعدما توعد أنه سيضل الخلق أجمعين، ويستهويهم بوساوسه وخواطره، وإضلاله وتزيينه.

· وأما ما ورد في السنة في موضوع الإخلاص فكثير، ومن ذلك:

ما جاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ – يعني يريد الأجر من الله عز وجل، ويريد أن يُذكر يقال: فلان مجاهد – مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  لَا شَيْءَ لَهُ ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  لَا شَيْءَ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ:  إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ. (رواه النسائي، وهو حديث حسن الإسناد ).

 

وجاء من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ. (رواه مسلم .)

 

فالأعمال التي تختلط فيها النيات ، ويتلفت صاحبها يمنة ويسرة يريد ما عند الله، ويريد ما عند المخلوقين؛ هذه الله غني عنها، ولا يعبأ بها، ولا يقيم لها وزنًا.

وجاء من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين أن محل نظر الله عز وجل إلى قلب العبد، وهو محل الإخلاص، والقصد والنية، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ.  وفي لفظ:  إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ.(رواه مسلم).

 

وحديث:  إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ... (رواه البخاري ومسلم). شاهد واضح في الدلالة على هذا المعنى، ونحن لو أردنا أن نستقصي الآيات والأحاديث التي تدل على أهمية الإخلاص، ومنزلته، وعظيم أثره؛ لما كفى لاستيعابها هذا المجلس بل ولا مجالس، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق .

 

الفرع الثالث: مراتب الإخلاص :

يمكن أن نقول بأن العمل الذي يكون خالصاً مقبولاً على مرتبتين إحداهما أعلى من الأخرى:

المرتبة الأولى: أن يتمحض القصد لإرادة وجه الله عز وجل، وما عنده من الثواب والجزاء، ولا يلتفت العبد إلى شيء آخر- وإن كان مباحاً-:

· فهو يجاهد يريد ما عند الله فقط لا يريد غنيمة، فضلاً عن المقاصد السيئة كالرياء والسمعة.

· وهو يصوم يريد ما عند الله عز وجل، ولا يلتفت لأمر يجوز الالتفات إليه كتخفيف الوزن، أو تحسين صحة البدن، أو الحمية، أو ما إلى ذلك.

· وكالذي يمشي إلى المسجد ليكثر الخطى التي يتقرب بها إلى مولاه لا يلتفت لمعنى آخر، وهو أن ينشط بدنه، ويتقوى هذا البدن، وإنما يلتفت إلى المعنى الأول فقط فهذا أعلى المراتب.

المرتبة الثانية :العمل يكون مقبولاً إلا أنه دون الأول، وهو أن يقصد العبد وجه الله عز وجل بالعمل، ولكنه يلتفت إلى معنى يجوز الالتفات إليه:

· كالذي يحج يريد وجه الله عز وجل، ويريد أيضاً التجارة، فهذا لا مانع منه، والله عز وجل يقول في سورة البقرة :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ...). والمعنى: أن تبتغوا فضلاً من ربكم أي بالتجارة في مواسم الحج .

· وكالذي يحج لأنه يحمل معه جموعاً من الحجاج يأخذ منهم أجرة على ذلك، فهذا يريد وجه الله عز وجل، ويريد هذا المغنم العاجل، فحجه صحيح، ولكن مرتبته دون الأول، دون الذي ذهب إلى الحج لا يريد إلا ما عند الله .

· وكالذي يصوم لله عز وجل، وهو يستحضر في نفسه معنى آخر، وهو أن يصح بدنه.

 

· وكالذي يحضر لصلاة الجماعة تلبيةً لأمر الله عز وجل، وطاعة وعبودية له، ويلتفت لأمر آخر يجوز الالتفات إليه أن تثبت عدالته، وأن تقبل شهادته؛ لأن الذي لا يحضر مع الجماعة لا تثبت له عدالة، ولا تقبل له شهادة، ولا شك أن المسلم مطالب بتحصيل الأمور التي تثبت بها عدالته، وهذا غير الرياء والسمعة، هذا أمر يجوز الالتفات إليه، ولكن من نظر إلى هذا المعنى فهو دون الأول.

إذًا هما مرتبتان: أن يتمحض القصد لله عز وجل، الثانية: أن يريد وجه الله، ويلتفت إلى معنى آخر يجوز الالتفات إليه، هذه مراتب ودرجات المخلصين، الذين يقبل الله عز وجل أعمالهم، ولا تتكدر بشيء من الإشراك .

الفرع الرابع: صعوبة الإخلاص:

 الإخلاص أمر عسير شاق على النفس، صعب عليها، يحتاج صاحبه إلى مجاهدة عظيمة، ويحتاج العبد معه إلى مراقبة للخطرات والحركات، والواردات التي ترد على قلبه، فيحتاج إلى كثرة تضرع لله عز وجل- كما سيأتي- يقول أويس القرني رحمه الله:إذا قمت فادعو الله يصلح لك قلبك ونيتك، فلن تعالج شيئاً أشد عليك منهما .

أويس القرني هذا هو الذي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يطلب منه أن يدعو له، وأخبره أنه يأتي في أمداد اليمن، وذكر له صفته، فكان عمر يترقب ويتحرى حتى عثر عليه، فكلمه وسأله حتى استيقن أنه هو، وطلب منه أن يدعو له، ثم بعدها اختفى أويس فلم يعرف له أثر بعد ذلك، اختفى لشدة إخلاصه لما انكشف أمره خشي أن يتعلق الناس به، وأن يثنوا عليه ويطروه، وأن يتتبعوا آثاره يطلبون منه الدعاء، أو يطلبون منه أن يستغفر لهم، وما إلى ذلك، فاختفى في أجناد المسلمين، وخرج غازياً في سبيل الله عز وجل، ولم يوقف عليه بعدها، ومع ذلك يقول:لن تعالج شيئاً أشد عليك منها ، أي: النية .

 

ويقول يوسف ابن أسباط رحمه الله: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد . قد يستطيع العبد أن يجاهد سنوات متواصلة، ولكنه قد يعجز كثيراً، أو يتعب كثيراً بمراقبة خطراته، وما يرد عليه من المقاصد والنيات، والواردات التي تقع في هذا القلب. قد يستطيع الإنسان أن يركع ويسجد ليلاً طويلاً، وأن يصوم النهار، ولكنه يصعب عليه أن يضبط قصده، وأن يتمحض هذا القصد لوجه الله عز وجل، وقد يسأل بعضكم لماذا كانت هذه الصعوبة؟ ولماذا كانت هذه المشقة في إكسير العبادة، وفي سر القبول، وهو الإخلاص؟ لماذا كان بهذه المشقة؟

ولماذا احتاج إلى هذه المجاهدة الكبيرة الطويلة حتى آخر اللحظات حينما يفارق الإنسان هذه الحياة ؟!!

 

أقول ذلك لأمور:

أولها: أن الإخلاص لا نصيب للنفس فيه، كثير من الأمور التي للنفس فيها حظ عاجل قد لا تضطرب على الإنسان فيه نيته، وإنما يُحصل بغيته بمجرد تعاطيها من ألوان اللذات، أما الإخلاص فالإنسان يجرد نفسه، ويجرد قصده من كل إرادة والتفات، فلا يلتفت إلى حظ عاجل يرجع إلى هذه النفس، ولا يريد من الناس أن يُقربوه، أو يُكرموه، أو يُعظموه، أو يسمعوا عن عمله الصالح، فيطروه على هذا العمل، هو لا يريد هذا،، فلاحظ للنفس فيه، وبالتالي كان ذلك عسيراً عليها.

 

أمر ثان سَبَّب صعوبة الإخلاص: وهو أن الخواطر التي ترد على القلب لا تتوقف، وكما ذكرت- سابقًا- : أن القلب يقال له: الفؤاد لكثرة تفؤده، أي لكثرة توقده بالواردات، وكذلك قيل له: القلب لكثرة تقلبه فهو كثير التقلب على صاحبه، فَأَمرٌ بهذه المثابة؛ يصعب على العبد أن يلاحقه، وأن يضبطه في كل لحظة من لحظاته، وفي كل حركة من حركاته، ولهذا يقول الإمام الكبير سفيان الثوري رحمه الله تعالى- وهُوَ مَنْ هُوَ في العبادة والإخلاص يقول- :ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي إنها تقلب علي. ويقول يوسف بن الحسين رحمه الله:كم أجتهد في إسقاط الرياء من قلبي فينبت لي على لون آخر .

 

 يقول: أجاهدها من هذه الناحية، وأسد هذا الباب، فينبت لي من ناحية أخرى، فقد يثني عليه بعض الناس ثم يقول من أنا ؟! ما مني شيء ؟! وليس لي شيء ! أنا المُكَدَّى وابن المُكَدَّى، ثم يقوم يتكلم وهو يحتقر النفس، وينقدح في قلبه إبراز جانب التواضع والإخبات، وعدم الالتفات للنفس، وأنه ليس من أهل العجب.

قد يتكلم العبد ويقول: البارحة في ساعة متأخرة من السحر سمعت كذا وكذا، ثم يقول: لكنى لم أكن في قيام، وإنما قمت لحاجة، هذا يطرد الرياء كما قال الصحابي لما قال: من رأى منكم الكوكب البارحة فقال: أنا، أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، هذا قالها خالصاً من قلبه، ولكن الإنسان قد يقولها خالصاً فينقدح له وهو يقولها معنى، وهو أنه يريد أن يظهر نزاهته عن الرياء ليقول للناس: لست من المرائين، فأمرٌ بهذه المثابة كيف نستطيع أن نضبطه في كل لحظة من لحظاتنا، وفي كل حركة من حركاتنا ؟

 

فالإنسان قد يذكر أشياء من جهود طيبة، ومشاريع خيرة والمقام قد يفهم منه السامع أنه هو الذي قام بها، ثم يستدرك ويقول:عِلماً بأن هذه الأمور ليس لي منها شيء، ولم أصنع منها شيئاً . هذا كلام جيد ليدفع عن النفس الرياء، لكن قد ينقدح في نفسه وهو يقول هذا الكلام أمرٌ آخر يفسد عليه، وهو أنه يبرهن على صحة قصده، ولا أعني بذلك إطلاقاً أن من قال ذلك، أنه متهم، لكني أريد أن أقول: إن شأن الإخلاص شأن كبير يحتاج إلى معاناة طويلة مدتها العمر بكامله، وهذه المجاهدة لا ينفك عنها العبد بحال من الأحوال، فيحتاج إلى بصر نافذ في خطراته وحركاته وسكناته.

فما أحوج كافل اليتيم إلى مراعاة هذه الأمور وإلى إخلاص النية لله تعالى حقا في كفالته لليتيم حتى يحصل ما أعده الله تعالى له من الثواب .

(انظر:http://links.islammemo.cc/dros/one_News13.asp?IdNews=192)

 

 


 

 

 

 

الفصل الثاني

أحكام اليتيم الفقهية

 

 

 

 

 


 

تمهيد: إن لليتيم أحكاما اختص بها إنعاما في تكريمه والعناية به وقد حاولت تقصي ما استطعت من المسائل الفقهية ولا أدعي استيعابها ولم ألتزم بمذهب فقهي واحد في بيانها سائلا القبول من الله تعالى.

 

المسألة الأولى:كفالة اليتيم حق مضمون له

 

لو كان اليتيم فقيرا لا مال له وجب على الإمام-أي الخليفة في ظل دولة الخلافة الإسلامية- القيام به من بيت مال المسلمين فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخص به.

بمعنى أن الحياة الكريمة مكفولة لليتيم سواء قامت به الدولة أو أغنياء المسلمين بحيث لو قصروا في هذا الأمر وهذه الأمانة أثموا جميعا. (انظر تفسير القرطبي ج: 3 ص: 168)

 

المسألة الثانية:هل يُعطى اليتيم من الصدقات رغم غناه

 

اختلف أهل العلم هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه صلة الرحم وإن كان غنيا ، أو لا يعطى حتى يكون فقيرا؟في هذه المسألة قولان للعلماء:

  من العلماء من قال أن اليتيم يعطى من صدقة التطوع –غير الزكاة الواجبة-على وسبيل صلة الرحم رغم غناه ولا يعطى من الزكاة.

  ومنهم من قال أن اليتيم الغني لا يعطى من صدقة التطوع على سبيل الصلة حتى يكون فقيرا . (انظر تفسير القرطبي ج: 2 ص: 241)

 

أقول : وحد الغِنى ملك النصاب فمن ملك نصابا-85غم من الذهب فأكثر- كان في عرف الشرع غنيا .

 

المسألة الثالثة:خلط طعام الكافل بطعام اليتيم والتصرف بمال اليتيم بما فيه مصلحته

قال تعالى:( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم)

  روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى:( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن) وقوله تعالى :(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما…… الآية) انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد ، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى:( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم …..الآية) فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم  بشرابه .(سنن أبي داود3/114)

 

 أما قوله تعالى :(ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) أي :بما فيه صلاحه وتثميره وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه.

    وهذا أحسن الأقوال في هذا فإنه جامع .قال مجاهد:( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) بالتجارة فيه ولا تشتري منه ولا تستقرض. (انظر تفسير القرطبي ج: 3 ص: 62 وما بعدها  )

 

المسألة الرابعة:شراء شي من مال اليتيم من قبل الولي

كان طاوس إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ:( والله يعلم المفسد من المصلح ) وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه من مال اليتيم أن يجتمع نصحاؤه فينظرون الذي هو خير له. ذكره البخارى   

     وفى هذه الآية دلالة على جواز شراء الولي من اليتيم لنفسه . والقول الآخر : أنه لا ينبغي للولي أن يشتري مما تحت يده شيئا لما يلحقه في ذلك من التهمة إلا أن يكون البيع في ذلك بيع سلطان في ملأ من الناس. وقال محمد بن عبد الحكيم : لا يشتري من التركة ولا بأس أن يدس من يشترى له منها إذا لم يعلم أنه من قبله. (تفسير القرطبي ج: 3 ص: 65)

أقول : ويمكن في هذه الأيام أن ينتخب القاضي عددا من أهل الخبرة لينظروا فيما تم بيعه أو شراؤه من مال اليتيم هل فيه غبن أم لا ويكون قولهم هو الفصل في إجازة البيع أو رده .

 

المسألة الخامسة:مفهوم مخالطة اليتامى

قال تعالى:( وإن تخالطوهم فإخوانكم )

هذه المخالطة كخلط المثل بالمثل كالتمر بالتمر وقال أبو عبيد: مخالطة اليتامى: أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان ، فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه .

قال أبو عبيد وهذا أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالتسوية وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعا كان في غيرهم أوسع ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس.(تفسير القرطبي ج: 3 ص: 65)

 

أقول : وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: عليكم هديا قاصدا عليكم هديا قاصدا فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه . (المستدرك على الصحيحين ج: 1 ص: 457هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)

 

المسألة السادسة:حرمة أكل مال اليتيم ومنعه عنه بعد بلوغه

 قال تعالى:( وآتوا اليتامى أموالهم ) وأراد باليتامى الذين كانوا أيتاما كقوله وألقي السحرة ساجدين ولا سحر مع السجود فكذلك لا يتم مع البلوغ ، وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم يتيم أبي طالب إستصحابا لما كان . وقوله تعالى :(وآتوا) أي أعطوا والإيتاء الإعطاء ، واليتيم من لم يبلغ الحلم.

 

وهذه الآية خطاب للأولياء والأوصياء نزلت في قول مقاتل والكلبي في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم  طلب المال ، فمنعه عمه فنزلت الآية ، فقال العم نعوذ بالله من الحوب الكبير ورد المال فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يوق شح نفسه ورجع به هكذا فإنه يحل داره -يعني جنته- فلما قبض الفتى المال أنفقه في سبيل الله ، فقال عليه السلام: ثبت الأجر وبقي الوزر فقيل: كيف يارسول الله؟ فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده ؛ لأنه كان مشركا.(انظر تفسير القرطبي ج: 5 ص: 8)

 

المسألة السابعة: في أي سن يعطى اليتيم ماله

قال تعالى:( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم)

إذا تحقق الولي من رشد اليتيم حرم عليه إمساك ماله عنه وكان عاصيا ، وقد قال أبو حنيفة : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطى ماله.

 

واختلف العلماء في تأويل رشدا: فقال الحسن وقتادة وغيرهما:رشدا أي صلاحا في العقل والدين ، وقال ابن عباس والسدي والثوري: صلاحا في العقل وحفظ المال ، قال سعيد بن جبير والشعبي: إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده ، وهكذا قال الضحاك لا يعطى   اليتيم  وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله ، وقال مجاهد رشدا يعني في العقل خاصة.

وقال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى:( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) قال: فدلت الآية على أن الحجر ثابت على اليتامى حتى يجمعوا خصلتين البلوغ والرشد ، فالبلوغ: استكمال خمس عشرة سنة الذكر والأنثى في ذلك سواء إلا أن يحتلم الرجل أو تحيض المرأة قبل خمس عشرة سنة فيكون ذلك البلوغ. قال: والرشد والله أعلم الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة وإصلاح المال، وإنما يعرف إصلاح المال بأن يختبر اليتيم.

(انظر تفسير القرطبي ج: 5 ص: 9+37وانظر أحكام القرآن ج: 1 ص: 138)

 

أقول:أرى أن تنتخب المحكمة الشرعية عددا من أهل الخبرة في الأمور المالية والتجارية لاختبار اليتيم فإن استأنسوا فيه حسن التصرف أجازوا إعطاءه ماله عند ذلك.

 

المسألة الثامنة:حرمة استبدال مال الولي الخبيث بمال اليتيم الطيب

قال تعالى:( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) قال القرطبي في تفسيرها أي :لا تتبدلوا الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة ، ولا الدرهم الطيب بالزيف، إذ كانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى فكانوا يأخذون الطيب والجيد من أموال اليتامى ويبدلونه بالرديء من أموالهم ويقولون اسم باسم ورأس برأس فنهاهم الله عن ذلك.

 

وقيل المعنى: لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة  عليكم وتدّعوا الطيّب وهو مالكم. وقيل المعنى: لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدّعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله.

(انظر تفسير القرطبي ج: 5 ص: 9)

 

أقول :يقول رب العزة سبحانه وتعالى: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) بحسب من يلي أموال اليتيم هذا الثواب من الله تعالى إن هو أحسن في أموال اليتيم.

المسألة التاسعة:حكم الزواج من اليتيمة بمهر أقل من مهر المثل

روى الإمام مسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى :(وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) قالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق .(مسلم 4/2313)

    وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.

(انظر تفسير القرطبي ج: 5 ص: 11)

 

 أقول: إن لم يكن لليتيمة من يجادل عنها في إنصافها في المهر وسائر حقوق الزواج فينبغي أن يكون وليها أقسط في ذلك من أي أحد ، إذ لا يجوز أن يقلل مهرها دون مهر مثيلاتها من النساء وإلا عد ذلك خيانة للأمانة .

 

المسألة العاشرة:جواز أكل الولي الفقير من الطعام المشترى بمال اليتيم

جاء في( المنتقى لابن الجارود ج: 1 ص: 239)

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر.

أقول :يقول رب العزة سبحانه وتعالى :(بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)

وجاء في( صحيح مسلم ج: 4 ص: 1980)

قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس.

بهذا المعيار يمكن لولي اليتيم أن يقترب من التصرف الذي يكون معه حل اللقمة إن شاء الله تعالى .

 

المسألة الحادية عشرة:هل يجب القضاء على من أكل من مال اليتيم بالمعروف

يقول رب العزة سبحانه وتعالى :( ومن غنيا فليأكل بالمعروف)

وفي الأكل بالمعروف أربعة أقوال عند أسيادنا العلماء.

     أحدها: أنه الأخذ على وجه القرض. وهذا مروي عن عمر وابن عباس وابن جبير وأبي العالية وعبيدة وأبي وائل ومجاهد ومقاتل.     

 

والثاني: الأكل بمقدار الحاجة من غير إسراف. وهذا مروي عن ابن عباس والحسن وعكرمة وعطاء والنخعي وقتادة والسدي.       

 

والثالث أنه الأخذ بقدر الأجرة إذا عمل لليتيم عملا . روي عن ابن عباس وعائشة وهي رواية أبي طالب وابن منصور عن أحمد رضي الله عنه .

والرابع : أنه الأخذ عند الضرورة فان أيسر قضاه وإن لم يوسر فهو في حل . وهذا قول الشعبي.

 

أما الفقير الذي لا يجد ما يكفيه وتشغله رعاية مال اليتيم عن تحصيل الكفاية فله أن يأخذ قدر كفايته بالمعروف من غير إسراف.      لكن هل عليه الضمان إذا أيسر؟  فيه قولان لهم :

 

أحدهما أنه لا ضمان عليه بل يكون كالأجرة له على عمله وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وقتادة وأحمد بن حنبل       

    والثاني إذا أيسر وجب عليه القضاء روي عن عمر وغيره وعن ابن عباس.

(انظر زاد المسير ج: 2 ص: 16)


المسألة الثانية عشرة:هل الصدقة على اليتيم القريب الذي لا كافل له أفضل

قال تعالى: (يتيما ذا مقربة ) أي قرابة يقال فلان ذو قرابتي وذو مقربتي ، يعلمك أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم  الذي يجد من يكفله .

(انظر:تفسير القرطبي ج: 20 ص: 69)

أقول: جاء في( سنن الترمذي ج: 3 ص: 46)

 

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة.

 

المسألة الثالثة عشرة:حرمة منع الولي اليتيمة من الزواج طمعا في مالها.

 عن عائشة في قوله تعالى:(وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ) قالت أنزلت في اليتيمة تكون عند الرجل فتشركه في ماله فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن يزوجها غيره فيشركه في ماله ، فيعضلها فلا يتزوجها ولا يزوجها غيره. (انظر صحيح مسلم ج: 4 ص: 2315)

 

أقول : وهذا التحريم يدل على مدى عناية الإسلام باليتيمة من كافة النواحي ، ومدى حرصه على أن لا يقع عليها ظلم من أحد .

 

المسألة الرابعة عشرة:أسلوب تأديب اليتيم وابن الولي.

وضع النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ عاما في تأديب اليتيم من قبل وليه بحيث يجوز للولي أن يستخدم أسلوبا هو نفس الأسلوب الذي يستخدمه في تأديب أبنائه من غير تمييز .

فقد روي عن عن عمرو بن دينار عن جابر قال قال رجل يا رسول الله مما اضرب منه يتيمي قال مما كنت ضاربا منه ولدك غير واق مالك بماله ولا متأثل من ماله مالا.( صحيح ابن حبان ج: 10 ص: 54)

 

المسألة الخامسة عشرة:حرمة انتفاع الولي بمال اليتيم الخبيث ولو لمصلحة اليتيم.

لو ورث اليتيم مالا مغصوبا أو مسروقا أو محرما وعلم صاحبه فالأصل أن يعيده ولي اليتيم لصاحبه ، لكن ماذا لو قرر الولي تنمية هذا المال وإبقائه لمصلحة اليتيم فهل يجوز له ذلك؟

 

جاء في (صحيح ابن حبان ج: 11 ص: 320)

عن أنس بن مالك قال: لما حرمت الخمر قال إني يومئذ أسقي أحد عشر رجلا قال : فأمروني فكفأتها وكفأ الناس آنيتهم بما فيها حتى كادت السكك تمتنع من ريحها ، قال أنس : وما خمرهم يومئذ إلا البسر والتمر مخلوطين ، فجاء رجل النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال إنه قد كان عندي مال يتيم فاشتريت به خمرا ، أفَتَرى أن أبيعه فأرد على   اليتيم  ماله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها .

   ولم يأذن لي النبي صلى الله عليه وسلم في بيع الخمر.

 

المسألة السادسة عشرة:معنى القهر الوارد في قوله تعالى: فأما اليتيم فلا تقهر

 قوله تعالى :(فأما اليتيم فلا تقهر) فيه قولان : أحدهما لاتحقر ، قاله مجاهد . والثاني : لا تقهره على ماله ، قاله الزجاج .

(انظر زاد المسير ج: 9 ص: 160)


المسألة السابعة عشرة:معنى الدَّع في قوله تعالى : (فذلك الذي يدعُّ اليتيم)

المعنى أنه يدفع اليتيم عن حقه دفعا عنيفا ليأخذ ماله ، وقد كان العرب في الجاهلية لا يورثون الصغير ، وقيل يدع اليتيم أي : يدفع اليتيم إبعادا له ؛ لأنه لا يرجو ثواب إطعامه فلا يحرص على كفالته.

(انظر زاد المسير ج: 9 ص: 244)

 

المسألة الثامنة عشرة:ضرب اليتيم على ترك الصلاة

من الأمور التي سبق تقريرها جواز تأديب اليتيم من قبل الولي بما يؤدب به ابنه ، وقد ورد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : مروا صبيانكم   بالصلاة لسبع  واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع. ( انظر سنن البيهقي الكبرى ج: 2 ص: 229) وبالتالي الصلاة من الأمور التي يجوز أن يؤدب الأب ابنه عليها حرصا عليه ، وبما أن حرصه على اليتيم ينبغي أن لا يقل عن حرصه على ابنه قال العلماء :

(للولي  أن يضرب اليتيم  فيما يضرب ولده به وردت بذلك الآثار والأخبار )(انظر البحر الرائق 3/53)

 

المسألة التاسعة عشرة: أخذ مال اليتيم مضاربة

وتوضيح هذه المسألة أن يشغّل الوصي مال اليتيم ويقدم هو الجهد من خلال عقد مضاربة فقد قال العلماء بحرمة ذلك .

جاء في( البحر الرائق ج: 5 ص: 261)

 ليس للوصي في هذا الزمان أخذ مال اليتيم مضاربة.

 

المسألة العشرون: شراء الوصي مال اليتيم لنفسه أو بيع ماله لليتيم

أجاز العلماء ذلك إن كان في البيع أو الشراء خير لليتيم .

جاء في (البحر الرائق ج: 5 ص: 279)

 إذا اشترى الوصي مال   اليتيم  لنفسه ما يساوي عشرة بخمسة عشر يكون خيرا لليتيم وإذا باع مال نفسه من   اليتيم  ما يساوي خمسة عشر بعشرة كان خيرا لليتيم.

 

المسألة الواحدة والعشرون :بيع الوصي مال اليتيم بغبن فاحش

لو باع الوصي مال اليتيم بغبن فاحش-بسعر أقل بكثير من قيمته الحقيقية- فالبيع باطل لا يملك بالقبض.

بمعنى يحق لليتيم أو لغيره أن يطالب بإعادة المال إلى صاحبه لكون العقد في أصله باطل.( انظر البحر الرائق ج: 6 ص: 100)

 

المسألة الثانية والعشرون:إنكار اليتيم بعد البلوغ إنفاق الوصي عليه بمقدار ما ادعى الوصي

شرعا الذي يصدق هو الوصي وليس اليتيم بحيث لو قال الوصي بعد ما بلغ   اليتيم  أنفقت عليك كذا وكذا في المال وأنكر   اليتيم  كان القول للوصي لكونه أسنده إلى حالة منافية للضمان.

 (جاء في البحر الرائق ج: 7 ص: 54)

 

المسألة الثالثة والعشرون:رد شهادة آكل مال اليتيم

 إن من يثبت عليه أكل مال اليتيم ترد شهادته ولو بمرة واحدة ؛ لأن هذه الجريمة من كبائر الذنوب التي توعد الله تعالى مرتكبها بعذاب أليم يوم القيامة فلا أقل من ترد شهادته في الدنيا .

(انظر البحر الرائق ج: 7 ص: 91 وانظر حاشية ابن عابدين ج: 5 ص: 483)

 

المسألة الرابعة والعشرون:تأجير الوصي عقار اليتيم

تأجير مال اليتيم لا يجوز إلا بأجر المثل ، فلو أجر بدون أجرة المثل يلزم المستأجر

تمام الأجرة حتى تصل إلى أجرة المثل.

( انظر البحر الرائق ج: 8 ص: 4)

أقول :أجرة المثل هو الأجرة التي لا تقل عن أجرة العقارات المماثلة لعقار اليتيم في زمن التأجير.

 

المسألة الخامسة والعشرون:ضياع مال اليتيم بيد الوصي

قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة قاضي القضاة :إذا خلط الوصي مال اليتيم بماله فضاع فلا ضمان على الوصي ؛ لأن له ولاية حفظه كيفما كان.

(انظر البحر الرائق ج: 8 ص: 532)

أقول: لا ضمان على الوصي إن لم يقصر في حفظه والأخذ بالأسباب بالاهتمام به .

 

المسألة السادسة والعشرون:الوصي يشتري لليتيم من ماله ثم يأخذ القيمة من مال اليتيم لاحقا.

ويجوز للوصي والوكيل أن يشتري لليتيم ويعطي البائع الثمن من ماله الخاص ثم يستوفي قيمة ما دفع من مال اليتيم لاحقا.

(انظر حاشية ابن عابدين ج: 2 ص: 602)

 

المسألة السابعة والعشرون:وجوب تعليم اليتيم

 يجب على وصي اليتيم أن يعلمه العلم أولا ، فإن لم يجد فيه قابلية سلّمه لحرفة. (انظر حاشية ابن عابدين ج: 4 ص: 274)

أقول: حتى يعتمد على نفسه عندما يشتد عوده فلا يعود محلا لعطف أحد.

 

المسألة الثامنة والعشرون: زوج أم اليتيم يسكن عقار اليتيم

بالنسبة لمنافع عقار اليتيم فهي محفوظة لليتيم بحيث لو سكنته أمه مع زوجها فيلزم الزوج الأجرة كسائر المسـتأجرين.

(انظر حاشية ابن عابدين ج: 4 ص: 408)

 

المسألة التاسعة والعشرون :إقراض القاضي مال اليتيم

جاء في حاشية ابن عابدين ج: 5 ص: 417

    للقاضي إقراض مال اليتيم ؛ لأنه لكثرة أشغاله لا يمكنه أن يباشر الحفظ بنفسه ، والدفع بالقرض أنظر لليتيم ؛ لكونه مضمونا والوديعة أمانة.

وينبغي له أن يتفقد أحوال المستقرضين حتى لو اختل أحدهم أخذ منه المال.

أقول:وبدون أدنى شك يحرم الإقراض نظير أي فائدة ربوية لقوله صلى الله عليه وسلم : عن علقمة عن عبد الله قال: لعن رسول الله  صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله قال قلت وكاتبه وشاهديه.

(انظر صحيح مسلم 3/1218) 

 

المسألة الإحدى والثلاثون:اقتراض الوصي من مال اليتيم

ليس للوصي أن يستقرض لنفسه من مال اليتيم على الأصح فلو فعل أثم. (انظر حاشية ابن عابدين ج: 5 ص: 418)

 

المسألة الثانية والثلاثون:أخذ القاضي راتبه من مال الأيتام

جاء في حاشية ابن عابدين ج: 5 ص: 461

 جاء في كتاب (بسط الأنوار) للشافعية من كتاب القضاء ما لفظه : وذكر جماعة من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة : إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال فله أخذ عشر ما يتولى من مال الأيتام والأوقاف ثم بالغ في الإنكار .      قال ابن عابدين الحنفي:ولم أر هذا لأصحابنا-أي الحنفية- وما أحببت نقل الشارح العبارة على هذا الوجه ؛ لئلا يظن بعض المتهورين صحة هذا النقل مع أن الناقل بالغ في إنكاره كما ترى .

كيف وقد اختلفوا عندنا-الأحناف- في أخذه من بيت المال فما ظنك في اليتامى والأوقاف؟

   قال العلامة الشيخ خير الدين الرملي-الشافعي- في حاشيته على الأشباه ما نصه: قوله (ثم بالغ في الإنكار) يعني على الجماعتين –المنسوب لهما هذا الرأي-والمبالغة في الإنكار واضحة الاعتبار ؛ وذلك أنه لو تولى على عشرين ألفا مثلا ولم يلحقه من المشقة فيها شيء ، بماذا يستحق عشرها؟ وهو مال اليتيم  وفي حرمته جاءت القواطع فما هو إلا بهتان على الشرع الساطع وظلمة غطت على بصائرهم ، فنعوذ بالله من غضبه الواقع ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

أقول : فالحكم بيّن إذن بشذوذ هذا الرأي ، والحق أن لا يحل للقاضي أخذ راتبه من مال اليتامى أو مال الوقف .والله أعلم.

 

المسألة الثالثة والثلاثون:إقراض الوصي مال اليتيم بشرط العِوَض

جاء في حاشية ابن عابدين ج: 5 ص: 510

 لا يجوز إقراض الوصي مال اليتيم  بشرط العوض-يعني إن هلك المال في يد المقترض-.

 

المسألة الرابعة والثلاثون:حكم المضاربة بمال اليتيم

أقول : صورة المضاربة أن يدفع المالك –أو وصيه في حالة مال اليتيم- إلى العامل مالا ليتجر فيه ويكون الربح مشتركا بينهما بنسبة مئوية يتفق عليها ، أما الخسارة فتكون على رب المال وحده-وعلى اليتيم في حالة كان المضارب بمال اليتيم وصيه- ولا يتحمل العامل المضارب من الخسران شيئا وإنما يخسر عمله وجهده .(انظر الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي ج4/836)

ويجوز للوصي أن يضارب في مال اليتيم  بجزء من الربح . قال الزيلعي-من فقهاء الأحناف-  إن للوصي دفع المال إلى من يعمل فيه مضاربة بطريق النيابة عن اليتيم  كأبيه.

(انظر حاشية ابن عابدين ج: 5 ص: 647)

 

أقول : وبذا يظهر أنه لا مانع من دفع الوصي مال اليتيم إلى مضارب بقصد تحقيق الربح وتنمية مال اليتيم عن طريق عقد المضاربة .

 

المسألة الخامسة والثلاثون:حكم تشغيل اليتيم بأجرة زهيدة

جاء في حاشية ابن عابدين ج: 6 ص: 206

 يتيم لا أب له ولا أم استعمله أقرباؤه مدة من الزمان في أعمال شتى بلا إذن الحاكم وبلا إجارة.

يحق له طلب أجر المثل بعد البلوغ إن كان ما يعطونه من الكسوة والكفاية لا يساوي أجر المثل.

أقول : وعليه : الأصل وجوب طلب إذن القاضي قبل تشغيل اليتيم حتى يضمن عدم وقوع الظلم عليه من حيث الأجرة ومن حيث نوع العمل الذي ربما يفوق استطاعته البدنية فيؤدي إلى إيذائه .

 

المسألة السادسة والثلاثون:حكم ضرب اليتيم من قبل معلمه

لمعلم اليتيم ووليه ضربه فيما يضرب ولده ، لكن لو ضربه على الوجه أو على المذاكير-الأعضاء التناسلية- يجب الضمان- إن أدى ضربه إلى ضرر- بلا خوف ولو سوطا واحدا لأنه إتلاف. (انظر حاشية ابن عابدين ج: 6 ص: 566)

 

المسألة السابعة والثلاثون:تصرف الوصي بمال اليتيم دون علم الناظر(إدارة الأوقاف)

جاء في حاشية ابن عابدين ج: 6 ص: 703

 لو تصرف الوصي بدون علم الناظر في أموال اليتيم فهلكت يضمنها.    

 

المسألة الثامنة والثلاثون:بيع بعض تركة الميت نسيئة-بثمن مؤجل- وتضرر اليتيم من ذلك

وإذا باع شيئا من تركة الميت بنسيئة فإن كان يتضرر به اليتيم  بأن كان الأجل فاحشا لا يجوز وإلا جاز. (انظر حاشية ابن عابدين ج: 6 ص: 708)

 

المسألة التاسعة والثلاثون:شراء الوصي عقار اليتيم لنفسه:

 لو اشترى الوصي عقار اليتيم  لنفسه جاز بشرط أن يشتريه بأكثر من قيمته الحقيقة دفعا للتهمة عن نفسه.  

انظر(حاشية ابن عابدين ج: 6 ص: 711)

 

المسألة الإحدى والأربعون:هل تجب الزكاة في مال اليتيم

لا تجب الزكاة في مال اليتيم تخريجا على أصل المسألة عند الأحناف والتي تفيد أن لا زكاة في مال الصبي حتى يبلغ استدلالا بقول الله تعالى : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) والتطهير لا يكون إلا من الذنب ، والصبي مرفوع عنه القلم فلا يكون داخلا في النص .

   وبما أنه لا يتم بعد البلوغ فيكون مال اليتيم لا زكاة فيه .

(انظر :المبسوط للسرخسي 2/200)

 

أما الإمام الشافعي فقد أوجب الزكاة في مال اليتيم واستدل بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:( ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كيلا تأكلها الصدقة ) ولو لم تجب الزكاة في مال اليتيم ما كانت الصدقة تأكلها      وروي عنه أنه قال( من ولي يتيما فليؤد زكاة ماله )

وروي (من ولي يتيما فليزك ماله) ولعمومات النصوص الموجبة للزكاة والتي لا فصل فيها بين البالغين والصبيان ، ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب وقد وجد فتجب الزكاة فيه كالبالغ .

واستدل الأحناف  بأنه لا سبيل إلى الإيجاب على الصبي ؛ لأنه مرفوع عنه القلم بالحديث الشريف ، ولأن إيجاب الزكاة إيجاب الفعل وإيجاب الفعل على العاجز عن الفعل تكليف ما ليس في الوسع ، ولا سبيل إلى الإيجاب على الولي ليؤدي من مال الصبي لأن الولي منهي عن قربان مال اليتيم إلا على وجه الأحسن بنص الكتاب: وأداء الزكاة من ماله قربان ماله لا على وجه الأحسن.

 

 والحديثان اللذان استدل بهما الشافعية غريبان أو من الآحاد فلا يعارضان الكتاب –أي قوله تعالى :خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها-

مع ما أن اسم الصدقة يطلق على النفقة قال صلى الله عليه وسلم: نفقة الرجل على نفسه صدقة وعلى عياله صدقة.

 وفي الحديث الذي استدل به الشافعية ما يدل عليه ؛ لأنه أضاف الأكل إلى جميع المال والنفقة هي التي تأكل الجميع لا الزكاة .

أو تحمل الصدقة والزكاة على صدقة الفطر لأنها تسمى زكاة .

     وأما قوله من ولي يتيما فليزك ماله أي ليتصرف في ماله كي ينمو ماله إذ التزكية هي التنمية .

(انظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 5)

 

المسألة الثانية والأربعون: السرقة من مال اليتيم هل توجب الحد على السارق

السرقة من مال اليتيم توجب القطع على السارق إن شهد شاهدان بذلك. وتصح خصومة وصي اليتيم عنه .

(انظر المبسوط للسرخسي 9/181)

 

المسألة الثالثة والأربعون :فسخ البيع لوجود الغبن في مال اليتيم

قال العلماء: إذا وجد غبن فاحش في البيع ، ولم يوجد تغرير فليس للمغبون أن يفسخ  البيع ، إلا أنه إذا وجد الغبن وحده في مال اليتيم فلا يصح البيع. ومال الوقف وبيت المال حكمه حكم مال اليتيم.

(انظر المجلة ج: 1 ص: 70)

 

المسألة الرابعة والأربعون: هل يكون اليتيم كافلا:

جاء في فقه الأحناف:

لو استدان الأب أو الوصي دينا في نفقة اليتيم وأمر اليتيم أن يضمن المال عنه جاز ، ولو أمره أن يكفل عنه النفس لم يجز.  

(انظر بدائع الصنائع ج: 6 ص: 5)

 

 المسألة الخامسة والأربعون : هل يستحق اليتيم شيئا من خمس الغنائم بعد توزيع الأربعة أخماس على المقاتلين الغانمين:

أجاز علماء المذهب الحنفي إعطاء جزء من خمس الغنائم لليتيم لمجرد يتمه ولو غير بالغ وغير مشترك في القتال (انظر حاشية ابن عابدين 4/149)

 

المسألة السادسة والأربعون : أيهما يقدم الوصي، تعليم اليتيم أم تعليمه حرفة؟

جاء في (حاشية ابن عابدين ج: 4 ص: 274)

على وصي اليتيم أن يعلمه العلم أولاً ،  فإن لم يجد فيه قابلية سلمه لحرفة.


 

 

 

 

 

الفصل الثالث

 

فتاوى معاصرة

في

موضوع اليتيم


 

 المبحث الأول: أسئلة هامة تتعلق باليتيم

 

من هو اليتيم ؟ هل هو الذي فقد أباه فقط ؟ وماذا عن اللقيط ومجهول النسب ، ألا يدخل هذان في مسمى اليتيم ؟. لماذا كرر القرآن لفظ اليتيم ومشتقاتها أكثر من عشرين مرة؟كيف قدم الإسلام اليتامى ومجهولي النسب إلى المجتمع ؟ هل قدمهم على أنهم ضحايا القدر وبقايا المجتمع ، أم على أنهم فئة من صميم أبنائه ؟ .

من الذي جلب الإهمال والإذلال لليتيم ، هل هو اليتم نفسه أم ظلم المجتمع له ؟ كيف طرح القرآن مسألة اليتم ، وكيف تقاطعت في آياته أوامر الشريعة ودلالات اللغة وإرادة المكلف ، على تأسيس كفالة رحيمة وعلاقة صادقة بين اليتيم والمجتمع ؟ . ما هو موقف القرآن الصريح ممن يدعُّ اليتيم ويمنعه من حقوقه الشرعية ؟ .

هذه الأسئلة الملحة أجاب عنها أسيادنا العلماء فقالوا :

 

كثيرا ما نسمع عن الآباء الذين فقدوا فلذات أكبادهم فقدوا أطفالهم ، وفطر نفوسهم موت أولادهم . يتناقل الناس أخبارهم في المجالس والتجمعات ، ويقدمون لهم التعزيات . ولكن قلما نسمع عن أطفال فجعوا بفقد آبائهم وذاقوا ألم اليتم في ساعات مبكرة من حياتهم .

 

عن هؤلاء اليتامى ومن هم في مثل ظروفهم ، يتغافل كثير من الناس ، شغلتهم أموالهم وبنوهم ، في الوقت الذي أمر به القرآن الكريم بإكرامهم وتخفيف معاناتهم وتعريف الناس بمصيبتهم ، وبالظروف العابسة التي أحاطت بهم وأطفأت الابتسامة من على هذه الوجوه الصغيرة .

 

نحن في هذه الكلمة عن اليتيم لا نقصد من فقد أباه فقط ، ولا نقتصر على المعنى الشائع لدى عامة الناس وحسب ، ولكن نتعداه إلى كل لقيط وكل من فقد العلم بنسبه ، لأن اليتم لديهما آكد ، والمصيبة عليهما أشد . وهذا ما يؤكده العرف الاجتماعي واللغوي ، ويدعمه النظر الفقهي الذي يرى إن إلحاق اللقيط ومجهول النسب باليتيم ، من باب الأولى لأن الحرمان عند كليهما ظاهر لا يخفى . كما في الفتوى التي أكدت أن مجهولي النسب ، هم في حكم اليتيم لفقدهم والديهم .

     ويؤيد هذا المذهب من الفتوى ، قوله تعالى في الآية الكريمة : (فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين) الأحزاب- 5 . ووجه دلالتها على أن اللقطاء مجهولي النسب هم أحوج من غيرهم إلى الرعاية ، نكتشفه في ثلاثة مواضع :

 

الأول : عند حديث القرآن عن اليتامى قال تعالى : ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) البقرة- 220. لأن الأخوة الإيمانية مما تصلح به المخالطة ، بل هي غاية ما تتطلبه المعاملة . وفي الحديث : (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ] (رواه البخاري ).

وعندما تحدث عن مجهولي النسب قال تعالى : (فإخوانكم في الدين ومواليكم ) . تأكيدا لحقهم الشرعي ، وتذكيرا بأن الاعتناء بهم هو من صميم الدين ، وليس فقط واجبا أو التزاما اجتماعيا .

 

الثاني : اشتملت الآية على معنى خفي يقربك - لو أدركته – مما ينبغي أن تكون عليه العلاقة الصادقة بين المجتمع من جهة ، وهؤلاء الأيتام القاعدين في سفح الهرم الاجتماعي من جهة أخرى . وهذا المعنى الخفي هو : أن الأخوة والولاية الدينيتين تسدان مسد الأبوة إذا فقدت . وهو عين ما دفع بالألوسي رحمه الله تعالى إلى القول في تفسير الآية :( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ) يقول : فيه إشارة إلى أن للدين نوعا من الأبوة .

 

 كما في تفسيره روح المعاني . لقد أبدل القرآن الكريم مجهولي النسب - عوضا عن هذا الحرمان - ، نسبا عقيديا جديدا ، ورحما دينية هي وحدها القادرة على جبر هذا الكسر المضاعف في نفوسهم . ولهذا اعتُبر مكذبا بالدين من يدعُّ اليتيم . فتأمل .

 

الثالث : قوله عز وجل : ( فإن لم تعلموا آباءهم ) أبلغ في المعنى من القول مثلا : فإن فقدوا آباءهم . لأن الفقد عدم . وحينئذ يكون الخطاب منصرفا إلى اليتامى بوفاة الآباء فقط لأن فقد الآباء متحقق عندهم بالموت .

        أما عدم العلم بالشيء فلا ينفي وجوده ، فالأب قد يكون موجودا ولكنه غير معروف ولهذا قال تعالى ( فإن لم تعلموا ) وهذا آلم في النفس لدى مجهول الأبوين الذي لا يعلم عنهما شيئا، مما يحتاج معه إلى مزيد عناية واهتمام . وفي نفس السياق، تأتي إنْ الشرطية التي تفيد احتمال الوقوع ، لتفتح الباب واسعا أمام الاحتمالات الواردة التي قد تقف وراء عدم العلم بهؤلاء الآباء .

 

هناك سؤال نعتبر الجواب عليه هو المدخل الوحيد لكيفية التعاطي مع هذه الفئة ، وهو الذي يرسم بوضوح نقطة البداية في التعامل مع اليتامى . هذا السؤال هو: كيف قدم الإسلام هذه الفئة إلى المجتمع ؟ . سؤال عميق تتقاطع في الجواب عليه أوامر الشرع وألفاظ اللغة وإرادة المجتمع المكلف . وحتى تتضح معالم هذا الجواب وما يحمله من المفاهيم المؤسسة للعلاقة الصادقة بين اليتيم والمجتمع ، نقدمه مفصلا من خلال عدة وجوه :

 

الوجه الأول : مع اللفظ ومعناه .

يبدأ القرآن الكريم كعادته دائما بتسمية الشيء باسمه ليبني على هذا الشيء مقتضاه . فعندما أطلق القرآن وصف اليتم بصيغة الإفراد والتثنية والجمع ، وكرر لفظ اليتيم ومشتقاتها أكثر من عشرين مرة في الكتاب العزيز ، كان المقصود من ذلك بيان أن صفة اليتم ليس فيها عيب ولا تهمة ، وأن فقد الآباء والأقرباء ليس سخرية من القدر أوجبت احتقارا من البشر . فاليتيم شخص كامل في شخصيته ، تام في إنسانيته . وبالتالي فلا مكان للشعور بالدونية أو الإحساس بالنقص لدى اليتيم .

كان وراء إطلاق هذا الوصف ، إفهام الناس أن اليتيم شخص وحيد منقطع مهمل ... على ما تؤديه هذه الكلمة من معان في اللغة ، كلها من لوازم اليتم ، وكلها تنطبق على اليتيم . وكان القصد منها طبعا لفت الانتباه إليه لسد حاجته وإصلاح شأنه .

 

الوجه الثاني : كيف قدم الإسلام اليتيم إلى المجتمع ؟ .

في أروع صورة إنسانية شهدتها المجتمعات الحضارية قدم الإسلام هذه الفئة إلى المجتمع .لم يقدمهم على أنهم ضحايا القدر أو بقايا المجتمع كما هو شائع في مجتمعات أخرى ،بل كانوا موضوعا لآية قرآنية كريمة رسمت عنهم صورة إيمانية تسمو على كل الارتباطات المادية والدنيوية . يقول تعالى : ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) البقرة- 220. وهذا في اليتامى . ويقول تعالى في موضع آخر : ( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) الأحزاب- 5 وهذا في مجهول النسب ممن فقد والديه . ففقد العلم بالنسب يثبت للشخص بدلالة الآية الكريمة أخوة دينية وولاية خاصة تجلب له – عند تطبيق مقتضياتها – مصالح جمة وخدمات لا تحصى .

 

أخوة دينية . من منا يقول لليتيم : أخي ، ويقول لليتيمة أختي ؟ . ولئن كانت هذه التسمية هي الحقيقة ، إلا أن فيها كذلك أدبا قرآنيا جما في الخطاب ، وتطييبا لقلوب هؤلاء المخاطبين المنكسرة نفوسهم .

 

إنهم إخواننا في الدين . ومن هنا ينبغي أن تبدأ علاقتنا بهم وسط مجتمع مسلم أدبه الإسلام ووصفه القرآن بأنه لا يدع اليتيم ولا يقهره ولا يأكل ماله ... ولما كان من معاني اليتم في اللغة الانفراد والهم والغفلة والضعف والحاجة ... كانت الدعوة إلى مخالطتهم والمبادرة بذلك من أفضل أساليب التطبيع الاجتماعي والدمج من داخل المؤسسة الاجتماعية ، بدءا بالمصافحة باليد كأبسط مظهر للمخالطة ، وانتهاء بالتزويج كأقصى مظهر لها ، مرورا بمنافع أخرى كالمؤاكلة والمشاربة والمساكنة وحسن المعاشرة ... فالكل داخل في مطلق المخالطة ، والجميع متحد في كسر الغربة النفسية التي قد يشعرون بها هؤلاء وهم داخل المجتمع . يقول الألوسي في تفسيره على الآية السابقة : [ المقصود : الحث على المخالطة المشروطة بالإصلاح مطلقا ، أي : إن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والمصاهرة ، تؤدوا اللائق بكم لأنهم إخوانكم ، أي : في الدين ] .

 

الوجه الثالث : إلام يحتاج اليتيم بداية ؟.

لو طرحت هذا السؤال على كل من عرف ظروف هؤلاء الأيتام وواكب معاناتهم ، لكان جوابه : إن أول ما يتطلعون إليه هو : المأوى . وهذا عين ما ذكره القرآن في التفاتة رحيمة بهذه الفئة . قال تعالى مخاطبا قدوة الأيتام  : ( ألم يجدك يتيما فآوى ؟ ) الضحى- 6. هذا أفضل ما عولجت به ظاهرة اليتم في شتى المجتمعات : توفير المأوى والملاذ الآمن لكل يتيم ، وبسرعة كبيرة على مايفيده العطف بالفاء . فكأن الآية خطاب إلى الأمة بالنيابة مؤداه : أيتها الأمة أمني لكل يتيم مأوى .

 

في الآية أيضا معنى لطيف لا يخفى على المتأمل وهو : لما امتن الله تعالى على نبيه  بإيوائه ، دل هذا على أن هذه نعمة تستحق الذكر . والذي ينظر في من آوى محمدا  يجد أنه جده عبد المطلب ومن بعده عمه أبوطالب ، مما يُفهِم أن من تمام نعمة الإيواء أن يوضع اليتيم في كنف أسرة وضمن عائلة ، إما قريبة وهذا هو الأصل ، يشهد لذلك الآية الكريمة :( يتيما ذا مقربة ). وإلا فبعيدة .

 

وإن كنت أيها القارئ اللبيب ممن يعولون في فهم القرآن على معنى الألفاظ وعلاقاتها المنطقية فيما بينها ، فإليك هذه المعلومة اللغوية تأكيدا لما سبق . إذا كان اليتم هو : انقطاع الصبي عن أبيه ، فإن الإيواء هو : ضم الشيء إلى آخر . ولك أن تتخيل مدى التكامل في الآية التي نزلت دستورا للمجتمع . قطع هنا باليتم ، ووصل هناك بالإيواء ، يعني : لا مشكلة أبدا .

 

وإليك من كلام النبي  حول ذات الموضوع هذه النكتة . يقول  : (مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلا لِلَّه ،ِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ) رواه أحمد .

 

يتيم وشعر وحسنات . ما هو الرابط المعنوي بينها يا ترى ؟. إنه النمو ! . فاليتيم ينمو والشعر ينمو والحسنات تنمو وتزيد . وكما يخشى على الحسنات من السيئات ، وعلى نمو الشعر من الأوساخ والآفات ، كذلك يجب أن يخشى على اليتيم من الإهمال والضياع . فرجل أشعث أغبر قبيح المنظر ، مقراف للذنوب سيئ الخلق ، حاله هذه من حال المجتمع الذي لا يهتم باليتيم . إن كلمات الحديث نفسها تقطر خوفا وجزعا على مصير اليتيم .

 

قل لي بربك : أين تجد مثل هذه الصورة الحية في غير كلام النبي  الحريص على الأيتام والغيور على حقوقهم ؟ . من غيره  أوتي جوامع الكلم وأسرار العبارة يخاطبنا ، حتى نستولد نحن المعاني من ألفاظها حية نابضة ، تزعج عقولنا فتلهب نفوسنا إلى تطبيق الأمر الشرعي ؟. ومن غير المسلم وفقه الله تعالى إلى أن يطوي كل هذه المعاني العظيمة ، بمسحة واحدة من يده ؟! .

 

الوجه الرابع : كيف تفوز بجوار النبي  ؟.

لقد كانت نظرة الإسلام إلى مجتمع اليتامى نظرة إيجابية واقعية فاعلة ، لعب فيها عنصر الإيمان وحافز الثواب دورا أساسيا . فهم في المجتمع المسلم ليسوا عالة على المجتمع ولا عبئا على أفراده ، وإنما هم من المنظور الشرعي حسنات مزروعة تنتظر من يحصدها ليفوز بجوار النبي  ورفقته يوم القيامة . يقول النبي: [ أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ ـ السفعة : أثر تغير لون البشرة من المشقة ـ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْمَأَ يَزِيدُ ـ الراوي ـ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَة .ِ امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ـ توفي زوجها فأصبحت أيما لا زوج لها ـ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا ـ كبروا وتفرقوا ـ أَوْ مَاتُوا ] أبو داود.

 

حافز الأجر هذا هو الذي جعل الأم الصابرة تتعلق بأطفالها بعد وفاة زوجها في صورة مشرقة من عطف الأمومة على الطفولة . فهجرت الزينة والتبرج ، ونزعت الراحة من نهارها والنوم من ليلها تحوطهم بأنفاسها وتغذيهم بدمها قبل حليبها حتى ذهبت نضارتها لم يهزمها الموت بل اعتبرته جزءا من استمرار الحياة ، فالآن يبدأ دورها .

لم تكتف هذه الأم الطيبة بدور الأمومة ، وقرنت إليه كفالة الأيتام أيضا ، فمنحت ليتاماها بصمودها هذا أمتن عروة يستمسكون بها تغنيهم عن البحث خارجا عمن يأويهم ، ثم شكر النبي لها ومدحها فجاءت جائزتها مجزية وثوابها مضاعفا .

مشهد بليغ يصوره هذا الحديث الشريف ، في رسالة واضحة إلى المجتمع مضمونها :

1- أن الأم أولى باليتامى من أنفسهم .

2- أن الأمومة هي الملاذ الثاني لليتيم بعد الأبوة . فليس بعدها إلا الضياع أو يد محسن . ( أمومة بديلة)

3- إن كان هذا ممكنا في أم مع أولادها لأنهم قطعة منها ، فهو ممكن أيضا مع كل امرأة صالحة تريد القيام بهذه المهمة الشريفة مع أطفال ليسوا منها . مع أجر أكبر وثواب مضاعف حتما .

 

الوجه الخامس : هل نؤمن بالقرآن ؟ .

مكمن الداء أن البعض منا إذا تناول هذه المعضلة الاجتماعية ، فإنه يتناولها من ناحية نظرية ، وإن تحدث عنها فمن زاوية وعظية ، ولما يستوعب خطورة هذا الشأن . فالقرآن الكريم اعتبر من يدعُّ اليتيم مكذّبا بالإسلام . يقول تعالى : (أرأيت الذي يكذّب بالدين . فذلك الذي يدعُّ اليتيم ) الماعون- 1/2 . تُسمى هذه السورة أيضا بسورة التكذيب . وفي بدايتها استفهام فيه تشنيع وفضح وتعجيب من هذا المذكور ، وبيان أنه يقف في دائرة بعيدة عن حقيقة الدين كما يفهم من اسم الإشارة للبعيد : فذلك .

وفي الآيتين السابقتين اتهام مباشر لا التواء فيه ، فكذلك ينبغي أن نعامل كل مقصر في هذا المجال . وقد سعت السورة للدلالة على خطورة دعِّ اليتيم ، أنْ ربطته بالعقيدة . وارجع – وفقك الله – إلى سورة البلد لتجد كيف سبق إطعام اليتيم فيها ، الكينونة مع الذين آمنوا . قال تعالى : ( فلا اقتحم العقبة . وما أدراك ما العقبة ؟ . فك رقبة . أو إطعام في يوم ذي مسغبة . يتيما ذا مقربة . أو مسكينا ذا متربة . ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالمرحمة) البلد – 11/17.

 

ومعنى يدع اليتيم : يدفعه بعنف عن استيفاء حقوقه . وليس الدَّعُّ إلا كلمة عجيبة اشتملت – بالإضافة إلى التشديد الكائن في مادة الكلمة – على كل معاني الإقصاء والإهمال والشدة والعنف وسائر مظاهر الظلم التي تلحق باليتيم . ومثلها كلمة القهر في سورة الضحى ، بل هي أعجب لما انطوت عليه من ممارسات الضغط النفسي والبدني التي تفترض شخصا فاعلا وآخر مفعولا به ، وهي حبلى بكل المعاني التي تورث الإهانة ونقص الكرامة والشعور بالضعف والنقص ... يدل على هذا أصل الكلمة اللغوي وهو : الأخذ من فوق كما في لسان العرب لابن منظور .

وقد ذكر القرآن الكريم أن الذين يأكلون أموال اليتامى إنما يأكلون نارا في بطونهم. ووجه المناسبة أن الذي يأكل مال اليتيم ظلما ، فإنه يعرض اليتيم بذلك لنار الجوع والفقر ، ولفح الحاجة والمرض ... فما يأكله هو نار ، لأن الحصاد من جنس الزرع .

 

الوجه السادس : من المسؤول عن دعِّ اليتيم وقهره ؟ نريد في هذا السياق أن نصحح مفهوما خاطئا عن اليتم ، وهو ارتباطه في الأذهان بالظلم والقهر والحرمان النفسي … فلا نكاد نسمع عن يتيم إلا وتقفز أمامنا صورة طفل ذليل تتقاذفه الأبواب والطرقات . والواقع أن هذه صورة صحيحة ، ولكن ما ليس بصحيح هو عزو سبب ذلك إلى اليتم والحال أنه ليس شرا في ذاته وليس هو المسئول عن هذا الواقع ، وإنما المسئول هو المجتمع ثم المجتمع .

 

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِي ِّ  قَالَ :  خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْه .ِ وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ .(رواه ابن ماجة .)

 

إن مظاهر الظلم والقهر والإهمال وكل الاضطرابات النفسية التي تحتل نفوس معظم الأيتام ، لا علاقة لها باليتم أو بفقد النسب ، بل هي من صناعة المجتمع الذي يهمل يتاماه . ولهذا لم يخاطب القرآن الكريم اليتيم لأنه لا دور له في ما حصل له ، بل اليتم قدر من الله تعالى لحكمة يريدها . وإنما انصرف بخطابه إلى المجتمع مباشرة يحمله وزر التفريط في فئة من أبنائه كما في الآيتين السالفتين ، لأن ضمير الخطاب فيهما عائد على الجماعة المسلمة ، كل من موقعه . ونظير ذلك قوله تعالى : ( وأن تقوموا لليتامى بالقسط) النساء – 127. وقوله تعالى : (كلا بل لا تكرمون اليتيم ) الفجر- 17. وقوله تعالى : (وأما اليتيم فلا تقهر ) الضحى- 9... إلخ . واضعا بذلك أسس المعاملات التي تحمي اليتيم من كل أشكال الظلم الاجتماعي والقهر النفسي .

 

ولفت الشرع الانتباه إلى ظاهرة اليتم أن جعلها الله تعالى محلا لعدة أعمال صالحة . وسببا من أسباب المغفرة ودخول الجنة بإذن الله تعالى . قال: [ مَنْ قَبَضَ يَتِيمًا مِنْ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ لَه ] الترمذي . ولن نكون مبالغين إذا قلنا : إنه مصدر (دواء) نافع في علاج مرض نفسي يشكو منه كثير من الناس وهو: قسوة القلب . ولو صح من الناس العزم على الشفاء من هذا الداء بهذه الوسيلة ، لما بقي على الأرض من يتيم .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّه قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَه:ُ إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيم (رواه أحمد) .

 

نتمنى أن نكون قد توصلنا بهذه الكلمات إلى المسح على هذه الرؤوس الصغيرة التي تشابهت ظروفها كزهور متعانقة في مغرس واحد تنتظر الماء والغذاء . كما نرجو أن تكون رسالة إلى المجتمع واضحة لأنه المسؤول الأول عن يتاماه . لقد خلق الله تعالى الأيتام للحياة ، فكيف يحل لنا وأدهم بالإذلال والإهمال ؟ . وإذا كان سبحانه قد جعل هذه الأغصان الخضراء للثمر ، فكيف نقطعها نحن ونجعلها للحطب ؟‍‍ .

 

إنه لايصح شرعا ولا طبعا ولا وضعا أن يحرم هؤلاء مرتين . مرة من حنان الأمومة وعطف الأبوة ، وأخرى من رحمة المجتمع ورعايته . نقول هذا ونحن نعلم أن في مجتمعاتنا المسلمة نفوسا رحيمة وقلوبا عطوفة تتلهف لخدمة اليتيم بأن تمسح شعرة على رأسه أو دمعة على خده . ولئن كان التقصير فرديا في هذا الباب ، إلا أنه لن يكون عاما بحال من الأحوال . فالخير باق في الناس إلى يوم القيامة .

 

ختاما نقول : مهما قلنا أو فعلنا ، فلن ندرك أبدا كيف هو شعور من يكتشف في لحظة أنه بدون أب أو أم ؟ . ولن نعيش أبدا إحساس من أدرك في غفلة من المجتمع ، أنه مجهول الوالدين ؟. ولن نحصي مطلقا كم من الأطفال كتب عليهم ألا يروا آباءهم ؟ . ولكننا قد ننجح إذا صحت منا النية واشتدت الإرادة ، في أن نكون ممن يمسحون دموع هؤلاء الصغار ، ويبلسم جروح الكبار منهم ؟

 

المبحث الثاني:هل اليتيم بحاجة إلينا أم نحن أحوج إليه

قد يبدوا للوهلة الأولى أن اليتيم هو الذي بحلجة إلينا لكن في الحقيقة  أننا أحوج إلى اليتيم وذلك للأمور التالية :1- تكفل اليتيم يعالج قسوة القلب:

جاء رجل لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) يشكو من قسوة القلب، فقال له: تكفل يتيما وضمه إلى صدرك.

 

2- كفالة اليتيم تزكية للمال: إذا أردت للشجرة أن تنمو فقلمها. رسول الله(صلى الله عليه وسلم): من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. وقد اجتمع كلا الأمرين السابقين في الآية الكريمة: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ[1]) لا التصور الأول صحيح ولا الثاني صحيح الجواب في بقية الآية (كَلَّا، بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) سبب النعمة والحرمان أمر واحد هو إكرام اليتيم. من خلال الروايات نجد أمران يهتز لهما عرش الرحمن: الأول: الطلاق، والثاني: بكاء اليتيم. لو أن اليتيم قارن نفسه بغيره وشعر بالدونية وجرت دمعته تحت غطائه في الليل فتلك الدمعة تهز عرش الرحمن.

3- مقام كافل اليتيم في الجنة : الروايات التي تتحدث عن كون كافل اليتيم في الجنة كثيرة، لكن في الجنة مقامات، ففي الجنة دار خاصة للمتكفل فقط، وقد عرفت هذه الدار بدار الفرح لا يدخلها إلا كافل اليتيم. (أدخل الفرحة قلب اليتيم ولو بثمن جوارب جديد، يكذب من يقول ما عندي) هذا الحديث لا أدري مدى صحته

4- ضمان مستقبل أولادك:     قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم): أحسنوا في عقب غيركم يحسن لكم في أعقابكم. في سورة الكهف وردت قصة موسى مع الخضر أنهما دخلا على مدينة جائعان فطرقا أبواب البيوت بيتا بيتا يطلبان من يسد رمقهما، فلم يتكرم عليهما أحد بشيء، وسواء عرفا من هما أم لم يعرفاهما رد السائل الغريب أمر قبيح، فجلسا تحت الحائط، نظر الخضر إلى الحائط فقال لموسى: هذا الحائط يكاد يقع، قال أتقصد أن نصلحه ؟ قال نعم، فقال موسى: وبذلك نأخذ مقابل ذلك ما نحتاج من الطعام؟ قال الخضر: لا،بل نبنيه بالمجان. فتعجب موسى عليه السلام من أفكاره هذه وقال: أما أنا فلا أعمل لأهل هذه القرية شيئا أبدا. فقال الخضر: أما أنا فسأبنيه لهم بالمجان. ثم بعد ذلك بين الخضر لموسى السبب وقال: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا، وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ) وسبب العناية الخاصة بهما (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا). أنت كن من الصالحين المحسنين لليتيم يحسن الله لذريتك من بعدك.

 

المبحث الثالث:هل يجوز شرعا الزواج من أرملة حفيده حتى يتكفل بأولاد حفيده الأيتام ويرعاهم أكثر؟

عرض هذا السؤال على الأستاذ الدكتور محمد المسير وكان نصه: أعرف رجلا مات حفيده، وله زوجة وأولاد، ويريد هذا الجد أن يتكفل بأولاد حفيده وأرملته، فعرض الزواج على هذه الأرملة حتى يكون الأولاد تحت بصره ورعايته فهل يجوز شرعا الزواج من أرملة الحفيد؟. 

 

فكان الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:ما نود التذكير به أولاً: أن الله سبحانه وتعالى قد فتح لهذا الرجل طريقًا مؤدية إلى الجنة –إذا أخلص في المضي- وفي صحبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء في الحديث: " أنا وكافل اليتيم في الجنة"، وهذه الطريق مرتبطة بالإنفاق على هذه الأسرة التي فقدت عائلها، ولم تكن مرتبطة بالزواج من هذه الأرملة التي لا يجوز له الزواج منها بنص القرآن الكريم: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم" ومعنى الآية: أي تحرم زوجات الأبناء على الآباء، والأب يشمل الجد والد الأب وإن علا والابن يشمل ابن الابن وإن نزل. ويقول الشيخ الأستاذ الدكتور محمد سيد أحمد المسير (الأستاذ بجامعة الأزهر):

كفالة أولاد الحفيد اليتامى وأرملته هذا شيء طيب يتقرب به إلى الله تعالى وتعظم به المثوبة لأنه صدقة وصلة رحم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بإصبعه السبابة والوسطى".

 

وقال عليه الصلاة والسلام: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله" أما الزواج بأرملة الحفيد فهذا لا يجوز شرعًا بنص قوله تعالى: "وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم" أي تحرم زوجات الأبناء على الآباء، والأب يشمل الجد والد الأب وإن علا والابن يشمل ابن الابن وإن نزل.

 

وتحريم زوجات الأبناء بمجرد العقد، فلا يجوز شرعًا لهذا الرجل أن يتزوج أرملة حفيده وليتق الله في عرضها، وليدعها تتزوج غيره إن أرادت حتى تصون نفسها وتحافظ على عفافها، وكفالة اليتامى لا تتوقف على الزواج من أمهاتهم، وعليه أن يساعد أولاد حفيده بما يستطيع من نفقة ورعاية، وحسن تربية، وليغض بصره عن هذه الأرملة، وليتذكر قوله تعالى: "وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى". والله أعلم

 
المبحث الرابع:تشغيل أموال اليتامى

جاء هذا السؤال للدكتور حسام الدين عفانة ونصه:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : أنا وصي على أيتام ولهم أموال فهل يجوز لي أن أشغل أموال الأيتام في تجارة أو شركة أو نحو ذلك ؟

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:

 

الاتجار في أموال اليتامَى جائز إذا كان فيه مصلحة لهم وكانت التجارة في الأشياء التي يُباح بيعها وشراؤها، وكان الاتجار فيها مضمونَ العواقب في الغالِب بحيث لا تكون هناك مُجازفة بماله أو مُخاطرة، وبحيث يكون التاجر في ماله أمينًا يَخشَى اللهَ عز وجل. إن على من ولي أيتاماً ولهم أموال أن يتصرف في أموالهم بما تقتضيه مصلحة هؤلاء الأيتام وكأن هذا الولي يتصرف في ماله الخاص ، فعليه أن يحفظ أموالهم من التلف وأن يجنبهم المخاطر ، والأصل في هذا قوله تعالى :( وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) .

 

قال القرطبي  في تفسير هذه الآية :[ أي بما فيه صلاحه وتثميره وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه، وهذا أحسن الأقوال في هذا فإنه جامع ] .

 

قال مجاهد : [ لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ] . [ بالتجارة فيه ولا تشتري منه ولا تستقرض ] . تفسير القرطبي7/ 134.

 

وبناءً على ذلك لا يجوز للولي أن يتبرع بشيءٍ من مال اليتيم أو يتصدق منه أو يهبه أو يقرضه ولا يجوز بيعه أو شراؤه مع الغبن الفاحش لأن في ذلك إضاعة لأموال اليتامى

 

ويجوز للولي البيع والشراء والإجارة والشركة في أموال اليتامى فاستثمار أموال اليتامى جائز بل مطلوب حتى لا يفنى مال اليتيم في النفقات أو الزكاة عند القائلين بوجوبها في مال اليتيم ويدل على جواز ذلك ما ورد في بعض الأحاديث والآثار عن الصحابة رضي الله عنهم منها :

 

  1. ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال :( ألا من ولي يتيماً وله مال فليتجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة ) (رواه الترمذي وضعفه) .
  2. 2. ما رواه الشافعي بسنده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ابتغوا في مال اليتيم أو أموال اليتامى لا تذهبها ولا تستهلكها الصدقة ) (رواه الشافعي في الأم والبيهقي في السنن الكبرى) وقال البيهقي وهذا مرسل إلا أن الشافعي رحمه الله أكده بالاستدلال بالخبر الأول وبما روي عن الصحابة رضي الله عنهم . (سنن البيهقي 4/ 107 .)
    3. ما رواه البيهقي بسنده عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة ) . وقال البيهقي هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر رضي الله عنه .

4. ما رواه البيهقي بسنده إن عمر بن الخطاب قال لرجل أن عندنا مال يتيم قد أسرعت فيه الزكاة فدفعه إليه ليتجر فيه له .‏ والله أعلم .

 

المبحث الخامس:هل يجوز لغير المسلم أن يتكفل مسلما يتيما؟

تنتشر في كثير من البلدان دور كفالة اليتامى وعمل الخير، وتقوم أحيانا على هذه الدور بعض المؤسسات غير المسلمة -المسيحية مثلا- فهل يجوز لغير المسلم أن يكفل مسلما؟ وما ضوابط ذلك إن كان جائزا؟

 

قالت لجنة تحرير الفتوى بموقع إسلام أونلاين

 بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد : يعيش أهل المجتمع الواحد خاصة المسلمين حياة متكافلة ، يعطي الغني فيهم الفقير ، ويعيش غير المسلمين في ظلهم كذلك متكافلين ، فإذا ما أراد الغني من غير المسلمين أن يكفل مسلما ، أو يفتح دارا لكفالة الأيتام ، فلا حرج في ذلك ، بشرط ألاّ يكون له من وراء ذلك غرضا تبشيريا أو تنصيريا ، وتقتصر المهام على فعل الخير .

 

يقول الأستاذ الدكتور : على السرطاوي - رئيس قسم الفقه في كلية الشريعة بجامعة النجاح ـ نابلس ـ فلسطين : المقصود بالكفالة -كما نفهم من كلام السائل- هي الكفالة المالية . وغير المسلم لا يمنع من أوجه البر والخير في داخل الدولة الإسلامية؛ فإن أراد أن ينفق على يتيم فلا يوجد أي مانع شرعي من ذلك، خاصة أن إخواننا من غير المسلمين في بلادنا العربية والإسلامية نعيش وإياهم حياة واحدة وهمًّا واحدا، وحياة متكافلة. ونقتدي بقوله صلى الله عليه وسلم: لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

 

وواجب التكافل العام في المجتمع يوجب على كل أفراده أن يقوموا بكفالة الأطفال الأيتام وذوي الحاجات ومراعاة شؤونهم، وهذا الواجب يشمل كل مواطني الدولة، وواجب كفالة اليتيم يشمل كل الأطفال بغض النظر عن دينهم كذلك.أ.هـ
ويقول فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر السابق:
إن البر والإحسان إلى الناس في الإسلام والتعاون بينهم في الطاعات وإقامة المصالح العامة كل ذلك جائز بين أهل الأديان المختلفة ؛ لأنها جميعا قد أمرت بالتراحم والتواصل والتعاون على البر، وقد ضرب الإسلام المثل الأعلى بالبر بغير المسلمين، فقد روى ابن أبى شيبه (‏ مصنف ابن أبى شيبة)‏ عن جابر بن زيد أنه سئل عن الصدقة فيمن توضع فقال في أهل ملتكم من المسلمين وأهل ذمتهم، وقال (‏وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في أهل الذمة من الصدقة والخمس)‏ .‏
ولقد أباح الله سبحانه في القرآن الكريم تناول طعام أهل الكتاب وتزوج نسائهم في قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين)‏ المائدة ‏5 .

 

 توجهنا الآية الكريمة إلى حل التعامل مع أهل الكتاب (‏اليهود والنصارى)‏ وتبادل المنافع معهم وإباحة طعامهم ضيافة وشراء والتزوج من نسائهم .‏
وفي (‏ كتاب الأموال لأبى عبيد)‏ أن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وهو من خلفاء المسلمين العلماء العاملين كتب إلى عامله على البصرة كتاباً ومما جاء فيه :
(‏وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وخلت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه)‏ -‏ ومعناه اجعل لمن هذا حاله راتبا دوريا ، ولا تدعه حتى يطلب بنفسه .‏ وبهذا الأساس قال فقهاء مذاهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله بجواز الهبة والوصية من غير المسلم للمسلم .‏
باعتبارها من عقود التبرعات والصلات التي تجوز بين أهل الأديان مادامت لغير معصية .‏ ولقد نص الفقه الشافعي صراحة على جواز وصية غير المسلم ببناء مسجد للمسلمين، ولما كانت الوصية من عقود التبرعات، وكانت جائزة من غير المسلم ببناء مسجد للمسلمين، كان التبرع من غير المسلم فورا ببناء المسجد أو المساهمة في بنائه جائزا .‏ ويلحق به أعمال الخير.

 

المبحث السادس:هل يجوز للحاكم أن يصادر أموال اليتامى ،ويقصر إنفاق الصدقات على بلده دون غيره ؟

يقول الدكتور إسماعيل شكري أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة –أغادير – المغرب :  بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد: كفالة اليتامى فرض كفاية على الأفراد، فرض عين على الحكومات والدول ، ولا تنحصر الكفالة بزمن دون زمن، أو قطر دون قطر، لأن الإسلام لا حدود له، فالمسلمون إخوة أينما كانوا، وحيثما كانوا . ولا يجوز للإمام أن يوقف التبرعات التي أخرجها الناس، ولا أن يحولها عن وجهتها، وتصرف الإمام منوط بالمصلحة الشرعية ،وفي مصادرة الكفالة ضرر لا يخفى على عاقل . كفالة اليتامى والمحتاجين هي جزء من نظام إسلامي متكامل، وهو نظام التكافل الاجتماعي، الذي بواسطته يحقق الإسلام التوازن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية الشاملة.
وهذا التكافل وإن كانت أغلب عناصره من باب التبرع والتطوع إلا أنه من الناحية الكلية يدخل في باب الواجب؛ بمعنى أنه إذا كان تبرعا بالنسبة للأفراد، فإنه من باب الواجب على المجتمع والدولة؛ فعلى الدولة الإسلامية أن لا تدخر جهدا في تحقيق العدالة الاجتماعية الكاملة داخل المجتمع الإسلامي، وذلك لا يتحقق إلا بالتعاون والتكافل والتآزر بين أفراد المجتمع، لذا وجب على الدولة أن تنظم وتؤسس له مؤسسات تنهض به، حتى يأخذ كل فرد من أفراد المجتمع حقه من العيش الكريم.
ثم إن هذا النظام لا يكفل يتامى والمحتاجين في قطر إسلامي واحد على وجه الحصر، إذ لا يوجد في الشرع، ولا في سير العلماء والأمراء من قال بتقييد التكافل بقطر معين؛ فالبر وأعمال الخير لا حدود لها، ونظام التكافل والتعاون هذا، هو النظام الوحيد، في عصر تشتت الدولة الإسلامية الواحدة، الذي يحس من خلاله المسلم بالامتداد الشعوري والمادي ليتصل بالمسلمين الآخرين في جميع البقاع، ويتجاوز الحدود السياسية الجائرة الظالمة، ليستلهم الوحدة الإسلامية الشاملة.


فكل مسلم يتيم محتاج، أو مشرد مضطهد فهو أمانة في عنق جميع المسلمين، حتى يكفل له حقه في العيش الكريم ويتمتع بحقوقه الشرعية، وهذا إذا كان واجبا على الأفراد على جهة الكفاية، فانه واجب على الدول الإسلامية على التعيين، فعلى كل دولة مسلمة، كما ترعى رعاياها، أن ترعى حال المسلمين في جميع الأصقاع، وأن تؤسس أجهزة لمتابعة أحوالهم وظروفهم.


والتكافل الاجتماعي ليس خلق المسلمين وحدهم، بل نجد كثيرا من طوائف الدنيا تتكافل وتتعاون، ولا تحد تكافلهم الحدود .. لذا لا يجوز للإمام أن يُقيد تصرفات المسلمين التعبدية التبرعية، ويلزمهم بأن لا يتبرعوا إلا إلى جهة معينة، مثل أن يقول: لا يقبل تبرع هذه السنة إلا التبرع الموجه إلى الأرامل أو إلى طلاب العلم .. فإذا كان هذا لا يجوز، فكذلك لا يجوز له أن يقيد التبرع من حيث المكان، لأن في ذلك تقييدا لتصرفات المسلم التعبدية، والتبرعات عبادات، وتحويل لأغراض المتبرعين إلى غير الجهة التي قصدوها بالتبرع، وهذا ليس من حقه، ولا يجب أن يطاع فيه..
وإذا ضاق صدر السلطان بأمور عَوْصاء فعليه أن يعرضها على العلماء ويستشير أهل الحل والعقد، ولا يمضي فيه برأي إلا بموافقتهم، وهذا الشرط الأول في وجوب طاعتهم، يقول ابن القيم: ((والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فان الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول ( صلى الله عليه وسلم) فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء)) ( أعلام الموقعين 1/10). :


والشرط الثاني: ألا يتصرف في الرعية إلا بمقتضى الشرع والمصلحة، والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: (( إنما الطاعة في المعروف))[ متفق عليه]. والقاعدة تقول : ( إن تصرف الإمام في الرعية منوط بالمصلحة )).

 

فلا الشرع والمصلحة يخولان للإمام أن يقيد تصرفات المسلمين الإحسانية بما يراه ويهواه، بل إن الشرع والمصلحة يدعوانه إلى أن يجتهد في تحقيق الوحدة الإسلامية الشاملة، ويقوي روابط الإيمان والإخوة بين جميع المسلمين أينما كانوا؛ لأن في هذا الترابط والتآزر والتلاحم بين المسلمين جميعا قوة وحماية له، وسندا يتكئ عليه عند الملمات وعند مواجهة الأعداء، الذين يتربصون به الليل والنهار.


ومن ناحية أخرى فأموال التبرعات والكفالات أمانات في عنق الدولة والهيئات التي تشرف عليها، والواجب على الإمام أن يوصلها إلى أهلها، والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) النساء آية: (58).


قال العلماء : نزلت هذه الآية في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، (السياسة الشرعية لابن تيمية 13-14). وأمانات اليتامى أولى بالأداء.

 

وقد أجمع المسلمون على معنى هذا، فإن وص اليتيم، وناظر الوقف, ووكيل الرجل في ماله، عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح، ولا يجوز أن يخرج عن مقصد صاحبه، وإلا كان متعديا على الحقوق،والله تعالى يقول:( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، ولم يقل إلا بالتي هي حسنة، وإلا مضيعا لمسؤولياته والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته , فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته. (أخرجاه في الصحيحين).

 

وقال (صلى الله عليه وسلم) :  ما من راع يسترعيه الله رعية, يموت يوم يموت, وهو غاش لها, إلا حرم الله عليه رائحة الجنة. (رواه مسلم)، وأولى الأموال بالرعاية، أموال اليتامى والمحتاجين.

 

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا ضيعت الأمانة , انتظر الساعة ) . لذا وجب عدم قبول هذا الرأي، ووجب على علماء الأمة المخلصين أن يجتهدوا في أن يبينوا للإمام، ومن سار على رأيه، وجه الشرع والمصلحة في هذا الحكم، المصلحة القريبة والبعيدة، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم), فيما ثبت عنه من غير وجه :  إن الله يرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا, وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم .( أخرجه ابن حبان في صحيحه)

والله أعلم

 

المبحث السابع:هل يجوز أن تجتمع عائلة في كفالة يتيم؟

يقول الدكتور أحمد سعيد حوى أستاذ الشريعة بالجامعات الأردنية :
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله:
لا مانع من اجتماع عائلة في كفالة يتيم إن كان المراد الكفالة المادية.
أما إن كان المراد التبني فهذا قد أبطله الإسلام وعوض عنه بالحض على رعاية اليتيم والإحسان إليه، مع مراعاة الضوابط الشرعية في العلاقات الأسرية. وذلك لأن الاجتماع على أعمال الخير مرغوب فيه ، كالاجتماع على بناء مسجد ،والحديث قد ورد بصيغة الإفراد :"من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة"،،ولم يمنع الفقهاء من اشتراك مجموع في بناء المسجد ، فلا مانع من قيام أسرة بكفالة يتيم ،وليس هناك ما يحظر الاجتماع على الكفالة ،ولا ما يوجب أن تكون الكفالة فردية . والله أعلم

 

المبحث الثامن :هل يجوز ليتيم أن يكفل يتيما مثله وكانت لديه الاستطاعة لذلك؟

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
فكفالة اليتيم من الأمور التي حث عليها الشرع الحنيف، وجعلها من الأدوية التي تعالج أمراض النفس البشرية ، وبها يتضح المجتمع في صورته الأخوية التي ارتضاها له الإسلام ، وليس هناك ما يمنع شرعا من أن يكفل اليتيم الغني اليتيم الفقير، بل لعله أكثر الناس إحساسا وشعورا بمن يكفله . على أنه لابد أن يتنبه أن كفالة اليتيم ليست في كفالته ماديا فحسب ، بل الكفالة تعني القيام بشئون اليتيم من التربية والتعليم والتوجيه والنصح ،والقيام بما يحتاجه من حاجات تتعلق بحياته الشخصية من المأكل والمشرب والملبس والعلاج ونحو هذا. كما أن اليتيم في عرف الشرع هو من فقد عائله قبل أن يبلغ سن الرشد ، فإن بلغ سن الرشد لا يطلق عليه يتيما ، وحين قال الله تعالى :"وآتوا اليتامى أموالهم "، فإن هذا على اعتبار ما كان ، لأنه ببلوغه الرشد انتهى يتمه ، لأنه في الغالب يكون قادرا علىالكسب،وأصبحت لديه خبرة في مسايرة الحياة . وكما قال العلماء :"إن الأصل في الأشياء الإباحة ، حتى يرد نص بالتحريم ." فكفالة اليتيم غيره جائزة ، بل مستحبة . يقول فضيلة الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة -أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-: كفالة اليتيم من أعظم أبواب الخير التي حثت عليها الشريعة الإسلامية قال الله تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) سورة البقرة الآية 215 .

 

وقال تعالى :( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) سورة النساء الآية 36 .

 

ووردت أحاديث كثيرة في فضل كفالة اليتيم والإحسان إليه منها : عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما ) رواه البخاري قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: قال ابن بطال في شرح الحديث: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك]، ثم قال الحافظ ابن حجر: وفيه إشارة إلى أن بين درجة النبي صلى الله عليه وسلم، وكافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى وهو نظير الحديث الآخر :( بعثت أنا والساعة كهاتين ) الحديث .

 

وقال الحافظ أيضاً:  قال شيخنا في شرح الترمذي: لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة، أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، أو منزلة النبي صلى الله عليه وسلم لكون النبي صلى الله عليه وسلم شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً لهم ومعلماً ومرشداً، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل، ولا دنياه، ويرشده، ويعلمه، ويحسن أدبه فظهرت مناسبة ذلك أهـ ملخصاً .( فتح الباري 10/536-537 .)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من ضم يتيماً بين مسلمين في طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة ( رواه أبو يعلى والطبراني وأحمد مختصراً بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري ).

 

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يشكو قسوة قلبه ؟ قال: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك ) (رواه الطبراني)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر

وكالصائم لا يفطر) (رواه البخاري ومسلم) ، وغير ذلك من الأحاديث.

 

المبحث التاسع :ما تكون به كفالة اليتيم

كفالة اليتيم تكون بضم اليتيم إلى حجر كافله أي ضمه إلى أسرته، فينفق عليه، ويقوم على تربيته، وتأديبه حتى يبلغ؛ لأنه لا يتم بعد الاحتلام والبلوغ، وهذه الكفالة هي أعلى درجات كفالة اليتيم حيث إن الكافل يعامل اليتيم معاملة أولاده في الإنفاق والإحسان والتربية وغير ذلك ، وهذه الكفالة كانت الغالبة في عصر الصحابة كما تبين لي من استقراء الأحاديث الواردة في كفالة الأيتام، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يضمون الأيتام إلى أسرهم،

 

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن ) قالت : فرجعت إلى عبد الله فقلت : إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني، وإلا صرفتها إلى غيركم قالت: فقال لي عبد الله: بل ائتيه أنت قالت : فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة قالت : فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبره من نحن قالت : فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هما ؟ فقال : امرأة من الأنصار، وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الزيانب؟ من هما ؟ قال : امرأة عبد الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة ) رواه البخاري ومسلم.
والشاهد في الحديث: ( وعلى أيتام في حجورهما ).

 

وعن عمارة بن عمير عن عمته أنها سألت عائشة رضي الله عنها: في حجري يتيم أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.

 

وتكون كفالة اليتيم أيضاً بالإنفاق عليه مع عدم ضمه إلى الكافل كما هو حال كثير من أهل الخير الذين يدفعون مبلغاً من المال لكفالة يتيم يعيش في جمعية خيرية أو يعيش مع أمه أو نحو ذلك، فهذه الكفالة أدنى درجة من الأولى، ومن يدفع المال للجمعيات الخيرية التي تعنى بالأيتام يعتبر حقيقة كافلاً لليتيم وهو داخل إن شاء الله تعالى في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا )

 

قال الإمام النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة ) كافل اليتيم القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه ، أو من مال اليتيم بولاية شرعية.
وأما قوله : وله أو لغيره فالذي له أن يكون قريباً له كجده وأمه وجدته وأخيه وأخته وعمه وخاله وعمته وخالته وغيرهم من أقاربه ، والذي لغيره أن يكون أجنبياً ( شرح النووي على صحيح مسلم 5/408) .

 

وكفالة اليتيم المالية تقدر حسب مستوى المعيشة في بلد اليتيم المكفول بحيث تشمل حاجات اليتيم الأساسية دون الكمالية، فينبغي أن يتوفر لليتيم المأكل، والمشرب، والملبس، والمسكن، والتعليم بحيث يعيش اليتيم حياة كريمة، ولا يشعر بفرق بينه، وبين أقرانه ممن ليسوا بأيتام . ولا بأس أن يشارك أكثر من شخص في كفالة اليتيم الواحد. انتهى  ويقول الدكتور محمد بكر إسماعيل الأستاذ بجامعةالأزهر:  اعلمْ أن اليتيم شرعًا هو صغيرٌ ماتَ أبوه، فإذا بلغ الحُلُم لم يَعُدْ يَتِيمًا، ولكن لا يُسلَّم له مالُه ـ إن كان له مال ـ إلا إذَا بلغ الرشد، وذلك يُعرَف باختباره في التصرُّفات المالية وغيرها، فإذا رأيناه يُحسن التصرُّف سلَّمناه ماله، لقوله تعالى: (وابْتَلُوا اليَتَامَى حتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إليهم أمْوالَهمْ …) الآية (سورة النساء: 6) ومعنى (ابْتَلُوا اليتامى): اخْتَبِرُوهمْ في الأعمال والتصرُّفات المالية وغيرها حتى تَعلموا أنهم قادرون على إدارة أموالهم بخِبرة وحِكْمة. والله أعلم

 

المبحث العاشر:كفالة اليتيم وأحكامها :

ما حكم كفالة اليتيم ؟وما هي شروطها ؟ وهل تتوقف عند سن معينة ؟ وما حكمها عند وجود أبناء آخرين مختلفين عنه في

الجنس ؟ وما هو وضعه بالنسبة للأسرة ؟

 يقول الدكتور محمد بكر اسماعيل

 بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:

فكفالة اليتيم أمر قد رغبنا الإسلام فيه ترغيبا شديدا ووعد عليه بالجنة ، ووصي باليتيم خيرا ، وحذر من الإساءة إليه ، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة ، منها قوله تعالى :( وآتوا اليتامى أموالهم ) وقوله تعالى:(ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ، وإن تخالطوهم فإخوانكم ) وكذلك قوله:( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى) وقوله: ( أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ) وقوله سبحانه: ( وأما اليتيم فلا تقهر).  وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) ، وأشار بأصبعيه : السبابة والوسطى ( متفق عليه). ‏ وليست هناك شروط لهذه الكفالة إلا العدل والإحسان وتجنب ظلم اليتيم . وهذه الكفالة مرتبطة باليتم ، واليتيم هو الذي مات أبوه ولم يبلغ مبلغ الرجال ، فإذا بلغ الصبي الرشد لم يعد يتيما ، إلا إذا كان في عقله سفه أو جنون ؛ فيظل في حكم اليتيم وتستمر كفالته ، والبنت تظل في الكفالة حتى تتزوج ، لقوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ). فإذا بلغ الصبي اليتيم رشيدا ولكنه فقير فيكون الإحسان إليه من باب أنه فقير

 

. يقول الدكتور محمد بكر إسماعيل الأستاذ بجامعةالأزهر: اعلمْ أن اليتيم شرعًا هو صغيرٌ ماتَ أبوه، فإذا بلغ الحُلُم لم يَعُدْ يَتِيمًا، ولكن لا يُسلَّم له مالُه ـ إن كان له مال ـ إلا إذَا بلغ الرشد، وذلك يُعرَف باختباره في التصرُّفات المالية وغيرها، فإذا رأيناه يُحسن التصرُّف سلَّمناه ماله، لقوله تعالى: (وابْتَلُوا اليَتَامَى حتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إليهم أمْوالَهمْ ...) الآية (سورة النساء: 6) ومعنى (ابْتَلُوا اليتامى): اخْتَبِرُوهمْ في الأعمال والتصرُّفات المالية وغيرها حتى تَعلموا أنهم قادرون على إدارة أموالهم بخِبرة وحِكْمة.(انتهى) أما وضع اليتيم مع الأسرة ‏ : فإنه أجنبي عنها ، فإذا بلغ وجب معاملة كأجنبي ، وقد أبطل الله التبني وحرمه ، مع الترغيب في كفالته ، فلا يحرم تزوجه من أولاد المتبني ؛ ما لم يوجد مانع آخر كالرضاعة، ويجب على زوجته وبناته التحجب أمامه منذ البلوغ أو انتباهه لأمور النساء ، ويحرم عليهن الخلوة به وغير ذلك مما ينطبق على الأجنبي . كما يجب أن يفصل بينه وبين أولاد الكافل له المختلفين عن جنسه ؛ في المضجع الذي ينامون فيه ، إذا قارب البلوغ ،لأن الفصل بين الذكور والإناث واجب منذ بلوغهم العاشرة ولو كانوا إخوة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها لعشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع ). فاليتيم الذي هو أجنبي أولى. والله أعلم

 

المبحث الحادي عشر: هل يجوز إخراج الزكاة إلى دار للأيتام

يقول  أ.د.على محيي الدين القره داغي

 يجوز إخراج الزكاة إلى أولياء أمور اليتامى؛ ليصرفوا هذه الأموال عليهم أو على المشرفين على دار الأيتام ليقوموا بصرفها عليهم؛ لأن اليتامى في هذه الأحوال فقراء ومحتاجون يجوز صرف الزكاة عليهم لقوله تعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ..."، والصدفة على اليتيم الفقير أفضل من الفقير الكبير؛ وذلك لأن الإسلام أعطى ميزة لرعاية الأيتام لم تُعْط لغيرهم، ولكن بما أن الأيتام لم يبلغوا، لا يجوز إعطاء المال إليهم مباشرة؛ لأنهم ليسوا أهلاً لقبول هذه الأموال، وإنما تعطى هذه الأموال من الصدقات والزكاوات إلى أولياء أمورهم سواء كانوا أولياء أمورهم أو المشرفين على دور الأيتام.

 

المبحث الثاني عشر:هل يجوز التضحية من مال اليتيم؟

اختلف الفقهاء في الأضحية من مال اليتيم، فذهب الشافعية ورواية عن أحمد إلى أنه لا يجوز لولي اليتيم التضحية من مال اليتيم لأنه مأمور بالاحتياط لماله وممنوع من التبرع به، والأضحية تبرع، وذهب الحنفية والمالكية والرواية الثانية عن أحمد إلى جواز الأضحية من مال اليتيم إن كان موسرا، ولكن لو ضحى الولي من مال اليتيم فلا يتصدق منها بشيء ويدخر جميعها له لأنه لا يجوز الصدقة بشيء من مال اليتيم، ويمكن القول بأنه إذا كان اليتيم يعقل الأضحية ويفرح قلبه بها وينكسر بتركها فالأولى التضحية من ماله حينئذ لحصول الفائدة منها من باب التوسعة عليه وتطييب قلبه وإشراكه لأمثاله في مثل هذا اليوم، وإذا كان اليتيم لا يعقل الأضحية ولا يفرح بها ولا ينكسر بتركها فالأولى عدم التضحية والمحافظة على ماله لعدم حصول الفائدة في هذه الحالة. جاء في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي: واختلفت الرواية –عن الإمام أحمد-، هل تجوز التضحية عن اليتيم من ماله؟ فروي أنه ليس للولي ذلك، لأنه إخراج شيء من ماله بغير عوض، فلم يجز، كالصدقة والهدية، وهذا مذهب الشافعي. والرواية الثانية: للولي أن يضحي عنه إذا كان موسرا، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك.

 

قال مالك: إذا كان له ثلاثون دينارا يضحي عنه بالشاة بنصف دينار، لأنه إخراج مال يتعلق بيوم العيد، فجاز إخراجه من مال اليتيم كصدقة الفطر، فعلى هذا يكون إخراجها من ماله على سبيل التوسعة عليه، والتطييب لقلبه، وإشراكه لأمثاله في مثل هذا اليوم، كما يشتري له الثياب الرفيعة للتجمل، والطعام الطيب، ويوسع عليه في النفقة وإن لم يجب ذلك. ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الروايتين على حالين، فالموضع الذي منع التضحية إذا كان اليتيم طفلا لا يعقل التضحية، ولا يفرح بها، ولا ينكسر قلبه بتركها، لعدم الفائدة فيها، فيحصل إخراج ثمنها تضييع مال لا فائدة فيه، والموضع الذي أجازها إذا كان اليتيم يعقلها، وينجبر قلبه بها وينكسر بتركها لحصول الفائدة منها، والضرر بتفويتها.

 

وعلى كل حال، متى ضحى عن اليتيم لم يتصدق بشيء منها، ويوفرها لنفسه لأنه لا يجوز الصدقة بشيء من مال اليتيم تطوعا. أ.هـ والله أعلمl

المبحث الثاني عشر:لو زرت صغارًا يتامى وقدّموا لي تحية الضيف هل يجوز تناولها أو لا؟

يقول الشيخ عطية صقر:

يقول الله تعالى( إِنَّ الِذينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرَا ) ( سورة النساء : 10 ) .

 

هذه الآية تنهى عن أكل مال اليتيم ظلمًا أي بغير حق، فإن كان بحق فلا مانع منه، ويوضح هذا قوله تعالى في آية سابقة في السورة نفسها:( وَابتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فِإِن آنَسْتُمْ مِنهُم رُشْدًا فَادفَعُوا إِلَيهِم أَموَالَهُم وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوف ) ( الآية رقم 6 ) فهي تعالج خطأ وقع فيه الناس وهو الطمع في مال اليتيم، حيث كان الوصي يتصرف فيه لمصلحة نفسه لا لمصلحة اليتيم، حتى إذا كبر لم يجد له مالاً، أو يجد ماله قد قَلَّ؛ لأن الوصي لم يتصرف فيه لصالحه، وقد أباح الله للوصي أن يأخذ من مال اليتيم ما يوازي إشرافه عليه، على أن يكون ذلك في الحد المعقول، وذلك إذا كان محتاجًا، أما إذا كان مستغنيًا فالأولى أن يستعفف ولا يأخذ شيئًا في مقابل الإشراف عليه.

 

ولما كانت النصوص في القرآن والسنة تحذر من أكل مال اليتيم بدون وجه حق تحرَّج الناس عن كفالته خشية الوقوع في المحظور، وذلك أمر يترتب عليه إهمال اليتيم وضياعه، فأذن الله للناس أن يشرفوا على أموال اليتامى على أن يراقبوا الله، فلا يتصرفوا في غير مصلحتهم. قال تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُم خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُم فَإِخْوَانُكُم وَاللهُ يَعْلَمُ المُفسِدَ مِنَ المُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُم ) ( سورة البقرة : 220 ) .

 

وإذا كان هذا في حق الأوصياء فهو أيضًا في حق كل إنسان يطمع في مال اليتيم. وقد يحدث أن الذين يتركهم الميت من الأولاد يكون فيهم كبار، فلا ينطبق عليه أحكام اليتامى؛ لأنه لا يُتْمَ بعد الحُلُم، أي البلوغ، ومع الكبار يوجد صغار، وأموالهم مختلطة بعضها ببعض، وهنا نقطتان: النقطة الأولى خاصّة بمخالطة الأولاد الكبار لإخوتهم الصغار، فيجب التحرُّز من الطمع في أموالهم، أو التصرف فيها على وجه ليس فيه مصلحتهم، وحيث إن الأموال مختلطة فيصعب ذلك، ولهذا ترك الله الأمر لضمير الكبار ورقابتهم لله:( واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ).
والنقطة الثانية خاصّة بعَلاقة الأجانب بهؤلاء الأولاد، في مثل زيارتهم وتناول ما يقدم تحية للزائر، وحيث إن أموال الكبار مختلطة بأموال الصغار، فلا تمييز فيما يقدم للضيف، هل هو من نصيب الكبار فيجوز تناوله، أو من نصيب الصغار فلا يجوز؟
لا يمكن الحكم بحرمة تناول التحية؛ لأن مناط التحريم هو التيقُّن، ولا يوجد، وإذا لم يمكن الحكم بالحُرمة فأقل ما يحكم به هو الكراهة التنزيهيّة، وذلك للشبهة، ومن اتّقى الشُّبُهات كان لدينه أورع، وقد يكون من المستحسن أن يتناول الضيف من التحية أقل شيء حتى لا يكون في الامتناع الكلي بعض آلام نفسية لليتامى، وليكن أمامنا قول الله سبحانه:( وإِنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ) فلتكن هناك زيارة خالصة لله، تخفيفا على اليتامَى، وليكن معها هدية لهم إن أمكن، حتى لا يرزأهم في شيء لو تناول التحية، فالمندوب أن نعطيَ لهم ولا نأخذ منهم.

 

المبحث الثالث عشر:هل يجوز الاقتراض من مال اليتيم

يقول أحد المستفتين: احتجتُ إلى مبلغ مِن المال لأدفعَه عَرْبُونًا لسلعة من السلع ولم أجِد مَن يُقرضُني، ولدَيَّ مالٌ ليتيمٍ أنا أعُولُه بعد وفاة أبيه وأنا عمُّه، فهل يجوز لي أن أقترضَ منه هذا المبلغ ثم أُعيده إليه متى وَجدْتُه؟

 يقول: الدكتور محمد بكر إسماعيل

 بسم الله، والحمد لله ،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد: إن مال اليتيم عندك أمانة لا يَجوز التصرُّف فيه إلا لمَصلحته، ولكن إذا دَعتِ الضرورة القُصوَى أن تَقترضَ منه ثم تَرُدَّه إليه فلا بأس في ذلك ما لم يُؤَدِّ الاقتراضُ مِن ماله إلى ضرَرٍ يقع عليه، كأن يكون هذا المال في تجارة فإن أخذتَ منه شيئًا نقَص الربح. ولا تَقُلْ: أنا أقترض منه وأعَوِّضُه عن النقْص في الربح. فإن الربح غير معلوم على وجه اليقين وحينئذٍ يكون هذا التعويض ربًا، فكل سلَف جرَّ نفْعًا فهو ربًا.


والدليل على جواز الاقْتراض مِن أموال اليتامَى عند الضرورة القصوى عموم قوله تعالى: (ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كان فَقيرًا فَلْيَأْكُلْ بالمَعروفِ) (النساء: 6) أيْ مَن كان مُستغْنِيًا بما معه مِن مال فَلْيُنَزِّهْ نفسَه عن مال اليتيم فلا يأخذ منه شيئًا مهما كانت المُبررات إلا بقدْر نَفَقَتِه، ومَن كان في حاجة ماسَّة فلْيأخذ على سبيل الدَّين أو كأُجرةٍ على كَفالته بشرط أن يُقدرها له أهل الخبرة والدِّين. والله أعلم

 

المبحث الرابع عشر:هل يجوز كفالة يتامى غير المسلمين؟

قالت دار الإفتاء بالأزهر

 بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد فنفيد أن اليتيم من فقد أباه وكان دون سن البلوغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يتم بعد حلم). والطفل الذي غاب أبوه منذ أكثر من عام لا يعتبر يتيمًا سواء كان أبوه معتقلاً أو محاربًا أو مفقودًا، ولا يعتبر الطفل يتيمًا إلا إذا حكم القاضي بموت أبيه، ولكن تجوز كفالة هذا الطفل على أنه لا عائل له يتولى شئونه. بالنسبة لأطفال غير المسلمين فإنهم إن لم يوجد لهم عائل من أهل دينهم يجوز أن يكفلوا من أموال المسلمين حتى لا يضيعوا ولأن عمر رضي الله عنه فرض ليهودي متقدم في السن جزءًا من بيت المال، فهؤلاء الأطفال يجوز كفالتهم من بيت مال المسلمين حتى لا يضيعوا، ولأن الأطفال إذا كانوا دون البلوغ فإنهم على فطرة الإيمان ما لم يهودهم آباؤهم أو ينصروهم. أما أطفال غير المسلمين الذين يكون آباؤهم مسالمين أو محاريين ولا يوجد لهم عائل فالكل سواء بالنسبة لوجوب كفالتهم على المسلمين لأنهم كذلك على الفطرة إلى إن يبلغوا والله تعالى أعلم. انتهى والخلاصة أن كفالة اليتيم غير المسلم تكون على ولي الأمر بوجه عام،أمابالنسبة للأفراد فيقدم الطفل المسلم على غيره،وإن وسعه كفالة الاثنين كان أولى،والسعي على كفالة أطفال غير المسلمين من سماحة الإسلام ،وتضامنه مع أهل الذمة من الفقراء،كما تجدر الإشارة إلى أن الفقهاء أجازوا التصدق على فقراء أهل الكتاب ما كانوا مسالمين غير محاربين. والله أعلم

 

المبحث الخامس عشر:هل يجوز كفالة اليتيم من زكاة المال، أم أن مال كفالة اليتيم يجب أن يكون من حر مال المرء؟ وأيهما أولى: كفالة يتيم غريب أم إعطاء المال كمساعدة –أو زكاة مال إن جاز- إلى الأخ المعاق الذي لا يعمل، علما بأن الوالدين يعتنيان به، ولكن من أجل مستقبله؟

 

يقول الدكتور يونس محيي الدين الأسطل

 بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وبعد الزكاة مشروعة للفقراء والمساكين، فإذا كان اليتيم فقيرا لا مال له جازت كفالته من الزكاة؛ لأنه من أهلها، وإذا لم يكن فقيرا بأن ورث مالا كثيرا لم يجز كفالته من الزكاة، وإن جازت من غيرها؛ لأن كفالة اليتيم لا تتوقف على احتياجه لفضيلة كفالة الأيتام.
أما الأخ المعاق ما دام له والد ينفق عليه احتياجاته الآنية فليس بمحتاج، وعليه فإن توجيه الكفالة إلى اليتيم ولو كان غريبا بعيد النسب أولى من توجيهها إلى أخ لتأمين مستقبله كما يقول السائل؛ لأن المستقبل في علم الله، وكفالة اليتيم المحتاج الآن أولى من الاحتياط لمستقبل أخ معاق؛ لأن المعاق إذا احتاج في المستقبل فلن يعدم من يكفله ويتبناه بإذن الله. والله أعلى وأعلم.

المبحث السادس عشر:ما حدود الولاية على مال اليتيم:

امرأة توفي عنها زوجها ولها منه ابنة تصرف معاش والدها وهي تحت وصايتها، ثم تزوجت المرأة بزوج آخر يعمل موظفًا محدود الدخل أصابته عُسْرة شديدة وعليه ديون، فهل للزوجة التصرف في مال ابنتها القاصرة لصالح زوجها، وهل يُعتبر إذن الربيبة لها التصرف في مالها؟ وهل تملك الربيبة الحرية في التصرف في مالها؟
الجواب: ليس للولي أن يتبرع من مال اليتيم بشيء، ولا اعتبار بإذن اليتيم بالتصرف في ماله لصغره ولأنه ليس أهلاً للتصرف في ماله حتى يبلغ ومن أجل هذا شُرعت ولاية الولي عليه.بل الواجب على الولي أن ينمي أموال اليتيم ما استطاع حتى إذا كبر وبلغ دفعها إليه.

www.islamobline.net

www.altawhed.com

 


 

الخاتمة

 

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد:

لقد حاولت في هذه الرسالة المتواضعة تسليط الضوء على جملة من الأحكام الشرعية في موضوع اليتيم مازجا بين الفقه الأصيل والفتاوى المعاصرة في الموضوع ودون أن أدعي شيئا لنفسي وناسبا العلم لأصحابه متحريا للدقة العلمية المطلوبة ، وما لم يذكر مرجعه لبعض المواضيع فمصدره المواقع الإسلامية على الشبكة العنكبوتية  .

  وأرجو من الله تعالى أن يجعل هذا الجهد في ميزان حسناتي يوم القيامة وفي ميزان حسنات من أنفق على طباعته حسبة لوجه الله تعالى .

غاية ما أرجو من الأخ الكريم قارئ هذا الكتاب أن يذكر كل من ساهم في إخراج هذا الكتاب حتى أبصر النور بخير وأن يدعو له دعوة صالحة بظهر الغيب تكون نورا لنا يوم القيامة إن شاء الله تعالى .

اللهم إن هذا المقام لا ينبغي إلا لجلال وجهك العظيم فاجعله خالصا لوجهك الكريم يا رب العالمين. 


قائمة المراجع والمصادر

اسم الكتاب :: الجامع لأحكام القرآن

اسم المؤلف :: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله

وفاة المؤلف ::  671

دار النشر :: دار الشعب

مدينة النشر :: القاهرة

سنة النشر :: 1372

رقم الطبعة :: الثانية

عدد الأجزاء ::  20

اسم المحقق :: أحمد عبد العليم البردوني

 

اسم الكتاب :: زاد المسير في علم التفسير

اسم المؤلف :: عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي

ولادة المؤلف ::  508

وفاة المؤلف ::  597

دار النشر :: المكتب الإسلامي

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1404

رقم الطبعة :: الثالثة

عدد الأجزاء ::  9

 

اسم الكتاب :: صحيح مسلم

اسم المؤلف :: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري

ولادة المؤلف ::  206

وفاة المؤلف ::  261

دار النشر :: دار إحياء التراث العربي

مدينة النشر :: بيروت

عدد الأجزاء ::  5

اسم المحقق :: محمد فؤاد عبد الباقي

 

اسم الكتاب :: فتح الباري شرح صحيح البخاري

اسم المؤلف :: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي

ولادة المؤلف ::  773

وفاة المؤلف ::  852

دار النشر :: دار المعرفة

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1379 -

عدد الأجزاء ::  13

اسم المحقق :: محمد فؤاد عبدالباقي , محب الدين الخطيب

 

اسم الكتاب :: الجامع الصحيح المختصر

اسم المؤلف :: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي

ولادة المؤلف ::  194

وفاة المؤلف ::  256

دار النشر :: دار ابن كثير , اليمامة

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1407 - 1987

رقم الطبعة :: الثالثة

عدد الأجزاء ::  6

اسم المحقق :: د. مصطفى ديب البغا

 

اسم الكتاب :: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد

اسم المؤلف :: علي بن أبي بكر الهيثمي

وفاة المؤلف ::  807

دار النشر :: دار الريان للتراث ,‏دار الكتاب العربيمدينة النشر :: القاهرة , بيروت

سنة النشر :: 1407

عدد الأجزاء ::  10

 

اسم الكتاب :: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان

اسم المؤلف :: علي بن أبي بكر الهيثمي أبو الحسن

ولادة المؤلف ::  735

وفاة المؤلف ::  807

دار النشر :: دار الكتب العلمية

مدينة النشر :: بيروت

عدد الأجزاء ::  1

اسم المحقق :: محمد عبد الرزاق حمزة

 

اسم الكتاب :: السنن الكبرى

اسم المؤلف :: أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي

ولادة المؤلف ::  215

وفاة المؤلف ::  303

دار النشر :: دار الكتب العلمية

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1411 - 1991

رقم الطبعة :: الأولى

عدد الأجزاء ::  6

اسم المحقق :: د.عبد الغفار سليمان البنداري , سيد كسروي حسن

 

اسم الكتاب :: سنن أبي داود

اسم المؤلف :: سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي

ولادة المؤلف ::  202

وفاة المؤلف ::  275

دار النشر :: دار الفكر

سنة النشر ::  -

عدد الأجزاء ::  4

اسم المحقق :: محمد محيي الدين عبد الحميد

 

اسم الكتاب :: الجامع الصحيح سنن الترمذي

اسم المؤلف :: محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي

ولادة المؤلف ::  209

وفاة المؤلف ::  279

دار النشر :: دار إحياء التراث العربي

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر ::  -

عدد الأجزاء ::  5

اسم المحقق :: أحمد محمد شاكر وآخرون

 

اسم الكتاب :: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان

اسم المؤلف :: محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي

ولادة المؤلف ::  0

وفاة المؤلف ::  354

دار النشر :: مؤسسة الرسالة

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1414 - 1993

رقم الطبعة :: الثانية

عدد الأجزاء ::  18

اسم المحقق :: شعيب الأرنؤوط

 

اسم الكتاب :: البحر الرائق شرح كنز الدقائق

اسم المؤلف ::  زين بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن بكر

ولادة المؤلف ::  926

وفاة المؤلف ::  970

دار النشر :: دار المعرفة

مدينة النشر :: بيروت

عدد الأجزاء ::  7

 

اسم الكتاب :: حاشية رد المحتار على الدر المختار : شرح تنوير الأبصار

اسم المؤلف :: محمد أمين

دار النشر :: دار الفكر

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1386

رقم الطبعة :: الثانية

عدد الأجزاء ::  6

 

الفقه الإسلامي وأدلته وهبة الزحيلي دار الفكر ط2سنة1989

 

اسم الكتاب :: المبسوط

اسم المؤلف :: محمد بن أبي سهل السرخسي أبو بكر

دار النشر :: دار المعرفة

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1406

عدد الأجزاء ::  30

 

اسم الكتاب :: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

اسم المؤلف :: علاء الدين الكاساني

وفاة المؤلف ::  587

دار النشر :: دار الكتاب العربي

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1982

رقم الطبعة :: الثانية

عدد الأجزاء ::  7

 

اسم الكتاب :: مجلة الأحكام العدلية

اسم المؤلف :: جمعية المجلة

دار النشر :: كارخانه تجارت كتب

عدد الأجزاء ::  1

اسم المحقق :: نجيب هواويني

 

اسم الكتاب :: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار

اسم المؤلف :: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي

ولادة المؤلف ::  159

وفاة المؤلف ::  235

دار النشر :: مكتبة الرشد

مدينة النشر :: الرياض

سنة النشر :: 1409

رقم الطبعة :: الأولى

عدد الأجزاء ::  7

اسم المحقق :: كمال يوسف الحوت

 

اسم الكتاب :: صحيح مسلم بشرح النووي

اسم المؤلف :: أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي

ولادة المؤلف ::  631

وفاة المؤلف ::  676

دار النشر :: دار إحياء التراث العربي

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1392

رقم الطبعة :: الطبعة الثانية

عدد الأجزاء ::  18

 

اسم الكتاب :: سنن ابن ماجه

اسم المؤلف :: محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني

ولادة المؤلف ::  207

وفاة المؤلف ::  275

دار النشر :: دار الفكر

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر ::  -

عدد الأجزاء ::  2

اسم المحقق :: محمد فؤاد عبد الباقي

 

اسم الكتاب :: كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه

اسم المؤلف :: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس

ولادة المؤلف ::  661

وفاة المؤلف ::  728

دار النشر :: مكتبة ابن تيمية

عدد الأجزاء ::  17

اسم المحقق :: عبد الرحمن محمد قاسم العاصمي النجدي الحنبلي

 

اسم الكتاب :: مسند الإمام أحمد بن حنبل

اسم المؤلف :: أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني

ولادة المؤلف ::  164

وفاة المؤلف ::  241

دار النشر :: مؤسسة قرطبة

مدينة النشر :: مصر

سنة النشر ::  -

عدد الأجزاء ::  6

 

اسم الكتاب :: الفردوس بمأثور الخطاب

اسم المؤلف :: أبي شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني

ولادة المؤلف ::  445

وفاة المؤلف ::  509

دار النشر :: دار الكتب العلمية

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1986

رقم الطبعة :: الأولى

عدد الأجزاء ::  5

اسم المحقق :: السعيد بن بسيوني زغلول

 

اسم الكتاب :: المعجم الكبير

اسم المؤلف :: سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني

ولادة المؤلف ::  260

وفاة المؤلف ::  360

دار النشر :: مكتبة العلوم والحكم

مدينة النشر :: الموصل

سنة النشر :: 1404 - 1983

رقم الطبعة :: الثانية

عدد الأجزاء ::  20

اسم المحقق :: حمدي بن عبدالمجيد السلفي

 

اسم الكتاب :: إعلام الموقعين عن رب العالمين

اسم المؤلف :: محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي أبو عبد الله

ولادة المؤلف ::  691

وفاة المؤلف ::  751

دار النشر :: دار الجيل

مدينة النشر :: بيروت

سنة النشر :: 1973

عدد الأجزاء ::  4

اسم المحقق :: طه عبد الرؤوف سعد

 

مواقع إسلامية على الأنترنت:

www.islamobline.net

www.altawhed.com

http://links.islammemo.cc/dros/one_News13.asp?IdNews=192

موقع الشبكة الإسلامية بقطر

 


فهرست المحتويات

الإهداء

المقدمة

الفصل الأول:مكانة اليتيم في الإسلام

المبحث الأول:اليتيم في اللغة والاصطلاح

المبحث الثاني: هل يُعد اللقيطُ يتيما؟

المبحث الثالث :اهتمام الإسلام باليتيم والترهيب من أكل ماله

المبحث الرابع : علو منزلة أم الأيتام في الجنة

المبحث الخامس: حث النبي على كفالة اليتيم

‏المبحث السادس: إشعار اليتامى بالحنان والعطف 

المبحث السابع:حاجة كافل اليتيم إلى الإخلاص

الفرع الأول:تعريف الإخلاص

الفرع الثاني:الإخلاص في الكتاب والسنة

الفرع الثالث: مراتب الإخلاص  

الفرع الرابع: صعوبة الإخلاص

 

الفصل الثاني:أحكام اليتيم الفقهية

المسألة الأولى:كفالة اليتيم حق مضمون له

المسألة الثانية:هل يُعطى اليتيم من الصدقات رغم غناه

المسألة الثالثة:خلط طعام الكافل بطعام اليتيم والتصرف بمال اليتيم بما فيه مصلحته

المسألة الرابعة:شراء شي من مال اليتيم من قبل الولي

المسألة الخامسة:مفهوم مخالطة اليتامى

المسألة السادسة:حرمة أكل مال اليتيم ومنعه عنه بعد بلوغه

المسألة السابعة: في أي سن يعطى اليتيم ماله

المسألة الثامنة:حرمة استبدال مال الولي الخبيث بمال اليتيم الطيب

المسألة التاسعة:حكم الزواج من اليتيمة بمهر أقل من مهر المثل

المسألة العاشرة:جواز أكل الولي الفقير من الطعام المشترى بمال اليتيم

المسألة الحادية عشرة:هل يجب القضاء على من أكل من مال اليتيم بالمعروف

المسألة الثانية عشرة:هل الصدقة على اليتيم القريب الذي لا كافل له أفضل

المسألة الثالثة عشرة:حرمة منع الولي اليتيمة من الزواج طمعا في مالها.

المسألة الرابعة عشرة:أسلوب تأديب اليتيم وابن الولي.

المسألة الخامسة عشرة:حرمة انتفاع الولي بمال اليتيم الخبيث ولو لمصلحة اليتيم.

المسألة السادسة عشرة:معنى القهر الوارد في قوله تعالى: فأما اليتيم فلا تقهر

المسألة السابعة عشرة:معنى الدَّع في قوله تعالى : (فذلك الذي يدعُّ اليتيم)

المسألة الثامنة عشرة:ضرب اليتيم على ترك الصلاة

المسألة التاسعة عشرة: أخذ مال اليتيم مضاربة

المسألة العشرون: شراء الوصي مال اليتيم لنفسه أو بيع ماله لليتيم

المسألة الواحدة والعشرون :بيع الوصي مال اليتيم بغبن فاحش

المسألة الثانية والعشرون:إنكار اليتيم بعد البلوغ إنفاق الوصي عليه بمقدار ما ادعى الوصي

المسألة الثالثة والعشرون:رد شهادة آكل مال اليتيم

المسألة الرابعة والعشرون:تأجير الوصي عقار اليتيم

المسألة الخامسة والعشرون:ضياع مال اليتيم بيد الوصي

المسألة السادسة والعشرون:الوصي يشتري لليتيم من ماله ثم يأخذ القيمة من مال اليتيم لاحقا.

المسألة السابعة والعشرون:وجوب تعليم اليتيم

المسألة الثامنة والعشرون: زوج أم اليتيم يسكن عقار اليتيم

المسألة التاسعة والعشرون :إقراض القاضي مال اليتيم

المسألة الإحدى والثلاثون:اقتراض الوصي من مال اليتيم

المسألة الثانية والثلاثون:أخذ القاضي راتبه من مال الأيتام

المسألة الثالثة والثلاثون:إقراض الوصي مال اليتيم بشرط العِوَض

المسألة الرابعة والثلاثون:حكم المضاربة بمال اليتيم

المسألة الخامسة والثلاثون:حكم تشغيل اليتيم بأجرة زهيدة

المسألة السادسة والثلاثون:حكم ضرب اليتيم من قبل معلمه

المسألة السابعة والثلاثون:تصرف الوصي بمال اليتيم دون علم الناظر(إدارة الأوقاف)

المسألة الثامنة والثلاثون:بيع بعض تركة الميت نسيئة-بثمن مؤجل- وتضرر اليتيم من ذلك

المسألة التاسعة والثلاثون:شراء الوصي عقار اليتيم لنفسه:

المسألة الإحدى والأربعون:هل تجب الزكاة في مال اليتيم

المسألة الثانية والأربعون: السرقة من مال اليتيم هل توجب الحد على السارق

المسألة الثالثة والأربعون :فسخ البيع لوجود الغبن في مال اليتيم

المسألة الرابعة والأربعون: هل يكون اليتيم كافلا:

المسألة الخامسة والأربعون : هل يستحق اليتيم شيئا من خمس الغنائم بعد توزيع الأربعة أخماس على المقاتلين الغانمين:

المسألة السادسة والأربعون : أيهما يقدم الوصي، تعليم اليتيم أم تعليمه حرفة؟

 

الفصل الثالث:فتاوى معاصرة في موضوع اليتيم

المبحث الأول: أسئلة هامة تتعلق باليتيم

المبحث الثاني:هل اليتيم بحاجة إلينا أم نحن أحوج إليه

المبحث الثالث:هل يجوز شرعا الزواج من أرملة حفيده حتى يتكفل بأولاد حفيده الأيتام ويرعاهم أكثر؟

المبحث الرابع:تشغيل أموال اليتامى

المبحث الخامس:هل يجوز لغير المسلم أن يتكفل مسلما يتيما؟

المبحث السادس:هل يجوز للحاكم أن يصادر أموال اليتامى ،ويقصر إنفاق الصدقات على بلده دون غيره ؟

المبحث السابع:هل يجوز أن تجتمع عائلة في كفالة يتيم؟

المبحث الثامن :هل يجوز ليتيم أن يكفل يتيما مثله وكانت لديه الاستطاعة لذلك؟

المبحث التاسع :ما تكون به كفالة اليتيم

المبحث العاشر:كفالة اليتيم وأحكامها :

المبحث الحادي عشر: هل يجوز إخراج الزكاة إلى دار للأيتام

المبحث الثاني عشر:هل يجوز التضحية من مال اليتيم؟

المبحث الثاني عشر:لو زرت صغارًا يتامى وقدّموا لي تحية الضيف هل يجوز تناولها أو لا؟

المبحث الثالث عشر:هل يجوز الاقتراض من مال اليتيم

المبحث الرابع عشر:هل يجوز كفالة يتامى غير المسلمين؟

المبحث الخامس عشر:هل يجوز كفالة اليتيم من زكاة المال، أم أن مال كفالة اليتيم يجب أن يكون من حر مال المرء؟

وأيهما أولى: كفالة يتيم غريب أم إعطاء المال كمساعدة –أو زكاة مال إن جاز- إلى الأخ المعاق الذي لا يعمل، علما بأن الوالدين يعتنيان به، ولكن من أجل مستقبله؟

المبحث السادس عشر:ما حدود الولاية على مال اليتيم:

الخاتمة:

قائمة المراجع:

قائمة المحتويات:

 

 



  أضف تعليق
الاسم الدولة
التعليق

  تعليقات من الزائرين

 

 

تصويت

لا يوجد تصويتات جديدة حالياً نتائح آخر تصويت

من أين تستقي معلوماتك الدينية ؟

من كتب التراث: 14.29 %
من الانترنت: 28.57 %
الفضائيات: 0 %
جميعها: 57.14 %

التصويت من تاريخ 08/10/2014
الى تاريخ 08/12/2014
مجموع التصويتات: 14

 
sss

05:07

06:32

11:37

14:21

16:46

18:07

أنت الزائر رقم

1827767
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير:
ماسترويب