الصفحة الرئيسة للموقع | فهرس الكتب | البحث

النص الكامل

الكتاب: مختصر تفسير ابن كثير
المؤلف: 'اختصار الصابوني '

عنوان النص: 8 - سورة الانفال

النص: $20 - يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وانتم تسمعون - 21 - ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون - 22 - ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون - 23 - ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون % يامر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال: {ولا تولوا عنه} اي تتركوا طاعته وامتثال اوامره وترك زواجره، {وانتم تسمعون} اي بعدما علمتم ما دعاكم اليه، {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} قيل: المراد المشركون، واختاره ابن جرير، وقال ابن اسحاق: هم المنافقون فانهم يظهرون انهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك، ثم اخبر تعالى ان هذا الضرب من بني ادم شر الخلق والخليقة فقال: {ان شر الدواب عند الله الصم} اي عن سماع الحق، {البكم} عن فهمه، ولهذا قال: {الذين لا يعقلون} فهؤلاء شر البرية لان كل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبههم بالانعام في قوله: {اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون} وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش؛ ثم اخبر تعالى بانهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح - ولو فرض ان لهم فهما - فقال: {ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم} اي لافهمهم وتقدير الكلام (و) لكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لانه يعلم انه {لو اسمعهم} اي افهمهم {لتولوا} عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك {وهم معرضون} عنه.

النص: $34 - وما لهم الا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا اولياءه ان اولياؤه الا المتقون ولكن اكثرهم لا يعلمون - 35 - وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون % يخبر تعالى انهم اهل لان يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام الرسول صلى الله عليه وسلم بين اظهرهم، ولهذا لما خرج من بين اظهرهم اوقع الله بهم باسه يوم بدر فقتل صناديدهم، واسر سراتهم، وارشدهم تعالى الى الاستغفار من الذنوب التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد، قال قتادة والسدي: لم يكن القوم يستغفرون ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا. قال ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا، قال في الانفال: {وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فنسختها الاية التي تليها {وما لهم الا يعذبهم الله - الى قوله - فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} فقاتلوا بمكة فاصابهم فيها الجوع والضر، وقال ابن ابي حاتم عن ابن عباس: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}، ثم استثنى اهل الشرك فقال: {وما لهم الا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام}، وقوله: {وما لهم الا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا اولياءه ان اولياؤه الا المتقون ولكن اكثرهم لا يعلمون} اي وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام اي الذي بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم اهله عن الصلاة فيه والطواف به، ولهذا قال: {وما كانوا اولياءه ان اولياؤه الا المتقون} اي هم ليسوا اهل المسجد الحرام وانما اهله النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه، كما قال تعالى: {ما كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله شاهدين على انفسهم بالكفر اولئك حبطت اعمالهم وفي النار هم خالدون * انما يعمر مساجد الله من امن بالله واليوم الاخر واقام الصلاة واتى الزكاة ولم يخش الا الله فعسى اولئك ان يكونوا من المهتدين}، وقال تعالى: {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام واخراج اهله منه اكبر عند الله} الاية، وقال الحافط ابن مردويه في تفسير هذه الاية عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من اوليائك؟ قال: "كل تقي"، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ان اولياؤه الا المتقون}. وقال الحاكم في مستدركه: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فقال: "هل فيكم من غيركم؟" فقالوا: فينا ابن اختنا وفينا حليفنا وفينا مولانا، فقال: "حليفنا منا وابن اختنا منا ومولانا منا ان اوليائي منكم المتقون". وقال عروة والسدي في قوله تعالى: {ان اولياؤه الا المتقون} قال: هم محمد صلى الله عليه وسلم واصحابه رضي الله عنهم، وقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا حيث كانوا، ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام وما كانوا يعاملونه به، فقال: {وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية} المكاء هو الصفير (وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة)، وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون اصابعم في افواههم. وقال السدي: المكاء هو الصفير على نحو طير ابيض يقال له المكاء ويكون بارض الحجاز. عن ابن عباس قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق، والمكاء الصفير، والتصدية التصفيق. وقال ابن جرير عن ابن عمر في قوله: {وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية} قال: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، وعن ابن عمر ايضا انه قال: انهم كانوا يضعون خدودهم على الارض ويصفقون ويصفرون، ويصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين. وعن سعيد بن جبير {وتصدية} قال: صدهم الناس عن سبيل الله عز وجل، قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} قال الضحاك وابن جريج ومحمد بن اسحاق هو ما اصابهم يوم بدر من القتل والسبي، واختاره ابن جرير عن مجاهد قال: عذاب اهل الاقرار بالسيف، وعذاب اهل التكذيب بالصحية والزلزلة.

النص: $31 - واذا تتلى عليهم اياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ان هذا الا اساطير الاولين - 32 - واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم - 33 - وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون % يخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم، ودعواهم الباطل عند سماع اياته، اذا تتلى عليهم انهم يقولون: {قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} وهذا منهم قول بلا فعل، والا فقد تحدوا غير ما مرة ان ياتوا بسورة من مثله فلا يجدون الى ذلك سبيلا، وقد قيل: ان القائل لذلك هو (النضر بن الحارث)، فانه لعنه الله كان قد ذهب الى بلاد فارس، وتعلم من اخبار ملوكهم رستم واسفنديار، ولما قدم وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله وهو يتلو على الناس القران، فكان عليه الصلاة والسلام اذا قام من مجلس، جلس فيه النضر فحدثهم من اخبار اولئك، ثم يقول: بالله اينا احسن قصصا انا او محمد؟ ولهذا لما امكن الله تعالى منه يوم بدر ووقع في الاسارى امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تضرب رقبته صبرا بيد يديه، ففعل ذلك ولله الحمد، وكان الذي اسره (المقداد بن الاسود) رضي الله عنه كما قال ابن جرير. ومعنى {اساطير الاولين} جمع اسطورة: اي كتبهم، اقتبسها فهو يتعلم منها ويتلوها على الناس، وهذا هو الكذب البحت، كما اخبر الله عنهم في الاية الاخرى: {وقالوا اساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة واصيلا - الى - انه كان غفورا رحيما} اي لمن تاب اليه واناب فانه يتقبل منه ويصفح عنه. وقوله تعالى: {واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم} هذا من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم وعتوهم، وهذا مما عيبوا به، وكان الاولى لهم ان يقولوا: اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على انفسهم واستعجلوا العذاب وتقديم العقوبة، كقوله تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولولا اجل مسمى لجاءهم العذاب}، {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب}، وقوله: {سال سائل بعذاب واقع}، وكذلك قال الجهلة من الامم السالفة كما قال قوم شعيب له: {فاسقط علينا كسفا من السماء ان كنت من الصادقين}. عن انس بن مالك قال ابو جهل ابن هشام: {اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم} فنزلت: {وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} (اخرجه البخاري في صحيحه). وقال الاعمش عن ابن عباس في قوله: {واذ قالوا اللهم} الاية، قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة قال: فانزل الله: {سال سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع) (وهو قول مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي). وقوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}، قال ابن عباس: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، الا شريك هو لك، تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، فانزل الله: {وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم} الاية. قال ابن عباس: كان فيهم امانان النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار (اخرجه ابن ابي حاتم). وعن ابن عباس: {وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم} يقول ما كان الله ليعذب قوما وانبياؤهم بين اظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يقول: من قد سبق له من الله الدخول في الايمان، وهو الاستغفار، يستغفرون يعني يصلون، يعني بهذا اهل مكة، وقال الضحاك: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يعني المؤمنين الذين كانوا بمكة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انزل الله علي امانين لامتي: {وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فاذا مضيت تركت فيهم الاستغفار الى يوم القيامة" (رواه الترمذي في سننه). ويشهد لهذا ما رواه الامام احمد عن ابي سعيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ان الشيطان قال: وعزتك يا رب لا ابرح اغوي عبادك ما دامت ارواحهم في اجسادهم، فقال الرب وعزتي وجلالي، لا ازال اغفر لهم ما استغفروني" (اخرجه احمد والحاكم، وقال الحاكم: صحيح الاسناد ولم يخرجاه).

النص: $30 - واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك او يقتلوك او يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين % قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: {ليثبتوك} ليقيدوك؛ وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك، وقال السدي: الاثبات هو الحبس والوثاق، وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الاقوال، وهو الغالب من صنيع من اراد غيره بسوء، وقال عطاء: سمعت (عبيد بن عمير) يقول: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه او يقتلوه او يخرجوه، قال له عمه ابو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: "يريدون ان بسجنوني او يقتلوني او يخرجوني"، قال: من اخبرك بهذا؟ قال: "ربي" قال: نعم الرب ربك استوص به خيرا، قال: "انا استوصي به؟ بل هو يستوصي بي"، قال فنزلت: {واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك او يقتلوك او يخرجوك} (قال ابن كثير: ذكر ابي طالب في هذا غريب جدا بل منكر، لان الاية مدنية واجتماع قريش وائتمارهم كان ليلة الهجرة وكان ذلك بعد موت ابي طالب بنحو ثلاث سنين) الاية. والدليل على صحة ما قلنا، ما روى محمد بن اسحاق صاحب المغازي عن مجاهد عن ابن عباس: ان نفرا من قريش من اشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم ابليس في صورة شيخ جليل، فلما راوه قالوا له من انت؟ قال شيخ من اهل نجد سمعت انكم اجتمعتم فاردت ان احضركم، ولن يعدمكم رايي ونصحي قالوا: اجل ادخل فدخل معهم، فقال: انظروا في شان هذا الرجل، والله ليوشكن ان يواثبكم في امركم بامره، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة، قال: فصرخ عدو الله فقال: والله ما هذا براي، والله ليخرجنه ربه من محبسه الى اصحابه، فليوشكن ان يثبوا عليه حتى ياخذوه من ايديكم فيمنعوه منكم، فما امن عليكم ان يخرجوكم من بلادكم، قالوا صدق الشيخ فانظروا في غير هذا، قال قائل منهم: اخرجوه من بين اظهركم فتستريحوا منه، فانه اذا خرج لن يضركم ما صنع اذا غاب عنكم اذاه؛ فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم براي الم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، واخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه، ثم لياتين اليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل اشرافكم، قالوا صدق والله، فانظروا رايا غير هذا، فقال ابو جهل لعنه الله: والله لاشيرن عليكم براي ما اراكم ابصرتموه بعد، لا ارى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: تاخذون من كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فاذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما اظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فانهم اذا راوا ذلك قبلوا العقل (الدية) واسترحنا وقطعنا عنا اذاه، قال: فقال الشيخ النجدي: هذا والله الراي، القول ما قال الفتى، ولا ارى غيره؛ قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له، فاتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فامره ان لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، واخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة، واذن الله له عند ذلك بالخروج، وانزل الله عليه بعد قدومه المدينة الانفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده: {واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك او يقتلوك او يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}، وانزل في قولهم تربصوا به ريب المنون: {ام يقولون شاعر نتربص به ريب المنون}. قال ابن اسحاق: اتاه جبريل عليه السلام فامره ان لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم (علي بن ابي طالب) فامره ان يبيت على فراشه ويتسجى ببرد له اخضر، ففعل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم، وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب فجعل يذروها على رؤوسهم، واخذ الله بابصارهم عن نبيه صلى الله عليه وسلم وهو يقرا: {يسن والقران الحكيم - الى قوله - فاغشيناهم فهم لا يبصرون}. وقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال: دخلت فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، قال: "ما يبكيك يا بنية؟" قالت: يا ابت ومالي لا ابكي وهؤلاء الملا من قريش في الحجر يتعاهدون باللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى لو قد راوك لقاموا اليك فيقتلونك، وليس منهم الا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: "يا بنية ائتني بوضوء"، فتوضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج الى المسجد، فلما راوه قالوا: ها هو ذا، فطاطاوا رؤوسهم، وسقطت رقابهم بين ايديهم، فلم يرفعوا ابصارهم، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: "شاهت الوجوه"، فما اصاب رجلا منهم حصاة من حصياته الا قتل يوم بدر كافرا (قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ولا اعرف له علة). وعن ابن عباس في قوله: {واذ يمكر بك} الاية. قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: اذا اصبح فاثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل اخرجوه، فاطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات علي رضي الله عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما اصبحوا ثاروا اليه، فلما راوا عليا رد الله تعالى مكرهم، فقالوا: اين صاحبك هذا؟ قال: لا ادري، فاقتصوا اثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعودا في الجبل، فمروا بالغار، فراوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال (رواه الامام احمد في المسند). وقال عروة بن الزبير في قوله: {ويمكرون ويمكر الله} اي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.

النص: $29 - يا ايها الذين امنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم % قال ابن عباس وغير واحد {فرقانا} مخرجا (وهو قول السدي وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل وغيرهم ويشهد له قول الله تعالى: {ومن يتق الله بجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب})، زاد مجاهد في الدنيا والاخرة، في رواية عن ابن عباس {فرقانا} نجاة،وفي رواية عنه: نصراء. وقال محمد بن اسحاق: {فرقانا} اي فصلا بين الحق والباطل؛ وهذا التفسير اعم مما تقدم، وهو يسلتزم ذلك كله، فان من اتقى الله بفعل اوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من امور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه وهو محوها، وغفرها: سترها عن الناس، وسببا لنيل ثواب الله الجزيل كقوله تعالى: {يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم}.

النص: $27 - يا ايها الذين امنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وانتم تعلمون - 28 - واعلموا انما اموالكم واولادكم فتنة وان الله عنده اجر عظيم % انزلت في ابي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروه في ذلك، فاشار عليهم بذلك، واشار بيده الى حلقه اي انه الذبح، ثم فطن ابو لبابة، وراى انه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت او يتوب الله عليه، وانطلق الى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة ايام، حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد، حتى انزل الله توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وارادوا ان يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها الا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فحله، فقال: يا رسول الله اني كنت نذرت ان انخلع من مالي صدقة، فقال: "يجزيك الثلث ان تصدق به" (رواه عبد الرزاق بن ابي قتادة). وقال ابن جرير: نزلت هذه الاية في قتل عثمان رضي الله عنه {يا ايها الذين امنوا لا تخونوا الله والرسول} الاية. وفي الصحيحين قصة (حاطب بن ابي بلتعة) انه كتب الى قريش يعلمهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم اياهم عام الفتح، فاطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في اثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطبا فاقر بما صنع، وفيها فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، الا اضرب عنقه فانه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: "دعه فانه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على اهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، والصحيح ان الاية عامة، وان صح انها وردت على سبيل خاص، فالاخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية، وقال ابن عباس {وتخونوا اماناتكم}: الامانة الاعمال التي ائتمن الله عليها العباد يعني الفريضة، يقول: لا تخونوا لا تنقضوها، وقال في رواية: لا تخونوا الله والرسول يقول: بترك سنته وارتكاب معصيته. وقال السدي: اذا خانوا الله والرسول فقد خانوا اماناتهم. وقال ايضا: كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيشفونه حتى يبلغ المشركين، وقال ابن زيد: نهاكم ان تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون، وقوله: {واعلموا انما اموالكم واولادكم فتنة} اي اختبار وامتحان منه لكم اذ اعطاكموها ليعلم اتشكرونه عليها وتطيعونه فيها او تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى: {انما اموالكم واولادكم فتنة والله عنده اجر عظيم}، وقال: و{نبلوكم بالشر والخير فتنة}، وقال تعالى: {يا ايها الذين امنوا لا تلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله}، وقوله: {وان الله عنده اجر عظيم} اي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الاموال والاولاد، فانه قد يوجد منهم عدو، واكثرهم لا يغني عنك شيئا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والاخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة، وفي الاثر يقول الله تعالى: يا ابن ادم اطلبني تجدني، فان وجدتني وجدت كل شيء، وان فتك فاتك كل شيء، وانا احب اليك من كل شيء، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان: من كان الله ورسوله احب اليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله، ومن كان ان يلقى في النار احب اليه من ان يرجع الى الكفر بعد اذ انقذه الله منه" (اخرجه الشيخان)، بل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على الاولاد والاموال والنفوس كما ثبت في الصحيح انه صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيدة لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من نفسه واهله وماله والناس اجمعين".

النص: $26 - واذكروا اذ انتم قليل مستضعفون في الارض تخافون ان يتخطفكم الناس فاواكم وايدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون % ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم واحسانه اليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطهدين، يخافون ان يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله، لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دابهم حتى اذن الله لهم في الهجرة الى المدينة فاواهم اليها، وقيض لهم اهلها اوو ونصروا وواسوا باموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال قتادة: كان هذا الحي من العرب اذل الناس ذلا، واشقاه عيشا، واجوعه بطونا، واعراه جلودا، وابينه ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا ياكلون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر اهل الارض يومئذ كانوا اشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالاسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس، وبالاسلام اعطى الله ما رايتم، فاشكروا الله على نعمه، فان ربكم منعم يحب الشكر، واهل الشكر في مزيد من الله.

النص: $1 - يسالونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم واطيعوا الله ورسوله ان كنتم مؤمنين % قال البخاري: الانفال المغانم، عن سعيد بن جبير قال، قلت لابن عباس رضي الله عنهما سورة الانفال، قال: نزلت في بدر، وروي عن ابن عباس انه قال: الانفال الغنائم، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لاحد منها شيء (وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد انها المغانم) ؛ قال فيها لبيد: ان تقوى ربنا خير نفل * وباذن الله ريثى والعجل وقال ابن جرير عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلا يسال ابن عباس عن الانفال؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: الفرس من النفل والسلب من النفل، ثم عاد لمسالته، فقال ابن عباس ايضا، ثم قال الرجل: الانفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يساله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: اتدرون ما مثل هذا؟.. مثل صبيع الذي ضربه عمر بن الخطاب. وهذا اسناد صحيح الى ابن عباس انه فسر النفل بما ينفله الامام لبعض الاشخاص من سلب او نحوه بعد قسم اصل المغنم، وهو المتبادر الى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله اعلم. وقال مجاهد: انهم سالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الاربعة من الاخماس، فنزلت: {يسالونك عن الانفال}، وقال ابن مسعود: لا نفل يوم الزحف، انما النفل قبل التقاء الصفوف، وقال ابن المبارك عن عطاء بن ابي رباح في الاية {يسالونك عن الانفال} قال يسالونك فيما شذ من المشركين الى المسلمين في غير قتال من دابة او عبد او امة او متاع، فهو نفل للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما يشاء، قال ابن جرير وقال اخرون: هي انفال السرايا، بلغني في قوله تعالى {يسالونك عن الانفال} قال: السرايا، ومعنى هذا ما ينفله الامام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش، وقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابن جرير انها الزيادة على القسم، ويشهد بذلك ما ورد في سبب نزول الاية وهو ما روي عن سعد بن ابي وقاص قال: لما كان يوم بدر قتل اخي (عمير) وقتلت (سعيد بن العاص) واخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فاتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اذهب فاطرحه في القبض"، قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه الله من قتل اخي واخذ سلبي، قال: فما جاوزت الا يسيرا، حتى نزلت سورة الانفال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فخذ سلبك". (سبب اخر في نزول الاية): وقال الامام احمد عن ابي امامة قال: سالت (عبادة) عن الانفال، فقال: فينا اصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه اخلاقنا، فاتنزعه الله من ايدينا، وجعله الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء، يقول: عن سواء. وقال الامام احمد ايضا عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في اثارهم يهزمون ويقتلون، واقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، واحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة حتى اذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم الى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لاحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم باحق به منا، نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين احدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا ان يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فنزلت: {يسالونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم}، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اغار في ارض العدو نفل الربع، فاذا اقبل راجعا نفل الثلث، وكان يكره الانفال (رواه احمد والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث صحيح). وروى ابو داود والنسائي وابن مردويه واللفظ له، عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا" فتسارع في ذلك شبان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ لا تستاثروا علينا فانا كنا ردءا لكم لو انكشفتم لفئتم الينا؛ فتنازعوا، فانزل الله تعالى: {يسالونك عن الانفال - الى قوله - واطيعوا الله ورسوله ان كنتم مؤمنين}، وقال الامام القاسم بن سلام رحمه الله في كتاب (الاموال الشرعية) : اما الانفال فهي المغانم، وكل نيل ناله المسلمون من اموال اهل الحرب فكانت الانفال الاولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: {يسالونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول} فقسمها يوم بدر على ما اراه الله من غير ان يخمسها، ثم نزلت بعد ذلك اية الخمس فنسخت الاولى، قلت: هكذا روي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي، وقال ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة، والانفال اصلها جماع الغنائم الا ان الخمس منها مخصوص لاهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة. ومعنى الانفال في كلام العرب: كل احسان فعله فاعل تفضلا من غير ان يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي احله الله للمؤمنين من اموال عدوهم، وانما هو شيء خصهم الله به تفضلا منه عليهم، بعد ان كانت الغنائم محرمة على الامم قبلهم، فنفلها الله تعالى هذه الامة فهذا اصل النفل. وشاهد هذا ما في الصحيحين: "واحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي" وذكر تمام الحديث. وقوله تعالى: {فاتقوا الله واصحلوا ذات بينكم} اي اتقوا الله في اموركم واصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما اتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه، {واطيعوا الله ورسوله} اي في قسمه بينكم على ما اراده الله، فانه انما يقسمه كما امره الله من العدل والانصاف، وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله ان يتقوا ويصلحوا ذات بينهم، وقال السدي {واصلحوا ذات بينكم} اي لا تستبوا، ولنذكر ههنا حديثا اورده الحافظ ابو يعلى الموصلي رحمه الله في مسنده عن انس رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس اذ رايناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما اضحكك يا رسول الله بابي انت وامي؟ فقال: "رجلان من امتي جيثا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى، فقال احدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من اخي، قال الله تعالى: اعط اخاك مظلمته، قال: يا رب لم يبق من حسناتي شيء، قال: رب فليحمل عني من اوزاري"، قال ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: "ان ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس الى من يتحمل عنهم من اوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك وانظر في الجنان فرفع راسه فقال: يا رب ارى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لاي نبي هذا؟ لاي صديق هذا؟ لاي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن اعطى ثمنه؟ قال: رب ومن يملك ثمنه؟ قال: انت تملكه، قال: ماذا يا رب؟ قال تعفو عن اخيك، وقال: يا رب فاني قد عفوت عنه. قال الله تعالى: خذ بيد اخيك فادخلا الجنة". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم، فان الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة" (اخرجه الحافظ ابو يعلى الموصلي).

النص: $24 - يا ايها الذين امنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه وانه اليه تحشرون % قال البخاري: {استجيبوا} اجيبوا {لما يحييكم} لما يصلحكم، عن ابي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت اصلي فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني، فلم اته حتى صليت، ثم اتيته فقال: "ما منعك ان تاتيني؟ الم يقل الله: {يا ايها الذين امنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم}، ثم قال: لاعلمنك اعظم سورة في القران قبل ان اخرج"، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت له. فقال: {الحمد لله رب العالمين} هي السبع المثاني. وقال مجاهد {لما يحييكم} قال: للحق، وقال قتادة {لما يحييكم} هذا هو القران فيه النجاة والبقاء والحياة؛ وقال السدي: {لما يحييكم} ففي الاسلام احياؤهم بعد موتهم بالكفر، وقوله تعالى: {واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه}، قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الايمان (وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وعطية ومقاتل وفي رواية عن مجاهد (يحول بين المرء وقلبه) اي حتى يتركه لا يعقل) ؛ وقال السدي: لا يستطيع ان يؤمن ولا يكفر الا باذنه، وقد وردت الاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يناسب هذه الاية؛ قال الامام احمد عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قال: فقلنا يا رسول الله امنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال" :نعم ان القلوب بين اصبعين من اصابع الله تعالى يقلبها". (حديث اخر) : قال الامام احمد عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من قلب الا وهو بين اصبعين من اصابع الرحمن رب العالمين اذا شاء ان يقيمه اقامه، وان شاء ان يزيغه ازاغه"، وكان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قال: "والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه". (ورواه النسائي وابن ماجه). (حديث اخر): قال الامام احمد عن ام سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه يقول: "اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قالت، فقلت: يا رسول الله ان القول لتقلب؟ قال: "نعم ما خلق الله من بشر من بني ادم الا ان قلبه بين اصبعين من اصابع الله عز وجل، فان شاء اقامه، وان شاء ازاغه. فنسال الله ربنا ان لا يزيع قلوبنا بعد اذ هدانا، ونساله ان يهب لنا من لدنه رحمة انه هو الوهاب" قالت، فقلت: يا رسول الله الا تعلمني دعوة ادعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، واذهب غيظ قلبي، واجرني من مضلات الفتن ما احييتني".

النص: $41 - واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم امنتم بالله وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير % يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الامة الشريفة من بين سائر الامم المتقدمة احلال الغنائم، والغنيمة هي المال الماخوذ من الكفار بايجاف الخيل والركاب، والفيء ما اخذ منهم بغير ذلك، كالاموال التي يصالحون عليها او يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك؛ هذا مذهب الامام الشافعي، ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة والعكس ايضا، {واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه} توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى: {ومن يغلل يات بما غل يوم القيامة} الاية، وقوله: {فان لله خمسه وللرسول} اختلف المفسرون ههنا، فقال بعضهم لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة. وقال اخرون: ذكر الله ههنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرا: {واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول}، فان لله خمسه: مفتاح الكلام {لله ما في السموات وما في الارض}، فجعل سهم الله وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم واحدا (وهو قول النخعي والحسن البصري والشعبي وعطاء وقتادة وغيرهم)، ويؤيد هذا ما رواه الحافظ البيهقي باسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: اتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرسا، فقلت: يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ فقال: "لله خمسها واربعة اخماسها للجيش" قلت فما احد اولى به من احد؟ قال: "لا ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس انت احق به من اخيك المسلم". وقال ابن جرير عن الحسن قال: اوصى الحسن بالخمس من ماله، وقال: الا ارضى من مالي بما رضي الله لنفسه؛ وعن عطاء قال: خمس الله والرسول واحد يحمل منه ويصنع فيه ما شاء، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا اعم واشمل، وهو انه صلى الله عليه وسلم يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء ويرده في امته كيف شاء. ويشهد لهذا ما رواه الامام احمد عن المقادم بن معد يكرب الكندي: انه جلس مع عبادة بن الصامت وابي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي رضي الله عنهم، فتذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابو الدراء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شان الاخماس، فقال عبادة: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة الى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول وبرة بين انملتيه فقال: "ان هذه من غنائمكم، وانه ليس لي فيها الا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فادوا الخيط والمخيط، واكبر من ذلك واصغر، ولا تغلوا، فان الغلول عار ونار على اصحابه في الدنيا والاخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، واقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فان الجهاد باب من ابواب الجنة عظيم ينجي الله به من الهم والغم" (قال ابن كثير: هذا حديث حسن عظيم ولم اره في شيء من الكتب الستة وله شواهد). وعن عمرو بن عنبسة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الى بعير من المغنم، فلما سلم اخذ وبرة من هذا البعير ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه الا الخمس والخمس مردود عليكم" (رواه ابو داود والنسائي). وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه عبد او امة او فرس او سيف او نحو ذلك، كما نص عليه محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك اكثر العلماء. وروى الامام احمد والترمذي عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي راى فيه الرؤيا يوم احد. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت صفية من الصفي (رواه ابو داود في سننه)، وعن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد اذ دخل رجل معه قطعة اديم فقراناها فاذا فيها: "من محمد رسول الله الى بني زهير بن اقيش، انكم ان شهدتم ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله، واقمتم الصلاة، واتيتم الزكاة، واديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسهم الصفي، انتم امنون بامان الله ورسوله"، فقلنا: من كتب لك هذا؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه ابو داود والنسائي). فهذه احاديث جيدة تدل على تقرير هذا وثبوته، ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه، وقال اخرون: ان الخمس يتصرف فيه الامام بالمصلحة للمسلمين كما يتصرف في مال الفيء. وقال شيخنا الامام العلامة ابن تيمية رحمه الله: وهذا قول مالك واكثر السلف وهو اصح الاقوال، فاذا ثبت هذا وعلم فقد اختلف ايضا في الذي كان يناله من الخمس ماذا يصنع به من بعده؟ فقال قائلون: يكون لمن يلي الامر من بعده، وقال اخرون: يصرف في مصالح المسلمين؛ وقال اخرون: بل هو مردود على بقية الاصناف ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، اختاره ابن جرير. وقال اخرون: بل سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل، قال ابن جرير: وذلك قول جماعة من اهل العراق، وقيل: ان الخمس جميعه لذوي القربى، ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائلون: سهم النبي صلى الله عليه وسلم يسلم للخليفة من بعده، وقال اخرون: لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال اخرون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، واجتمع رايهم ان يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة ابي بكر وعمر رضي الله عنهما. قال الاعمش عن ابراهيم: كان ابو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح، فقلت لابراهيم: ما كان علي يقول فيه؟ قال: كان اشدهم فيه، وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء رحمهم الله، واما سهم ذوي القربى فانه يصرف الى (بني هاشم) و (بني المطلب) لان بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي اول الاسلام، ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحماية له، مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة وانفة وطاعة لابي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ واما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وان كانوا بني عمهم فلم يوافقوا على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالاوا بطون قريش على حرب الرسول. وقال جبير بن مطعم: مشيت انا وعثمان بن عفان، الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطيت بني عبد المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال: "انما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" (رواه البخاري في عدة ابواب). وفي بعض روايات هذا الحديث: "انهم لم يفارقونا في جاهليه ولا اسلام"؛ وهذا قول جمهور العلماء انهم بنو هاشم وبنو المطلب. قال ابن جرير: وقال اخرون: هم بنو هاشم، ثم روى عن مجاهد قال: علم الله ان في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة، وفي رواية عنه قال: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة؛ عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رغبت لكم عن غسالة الايدي، لان لكم من خمس الخمس ما يغنيكم او يكفيكم" (رواه ابن ابي حاتم، قال ابن كثير: حديث حسن الاسناد)، وقوله: {واليتامى} اي ايتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالايتام الفقراء او يعم الاغنياء والفقراء؟ على قولين، والمساكين هم المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم {وابن السبيل} هو المسافر او المريد للسفر الى مسافة تقصر فيها الصلاة وليس له ما ينفقه في سفره ذلك، وسياتي تفسير ذلك في اية الصدقات من سورة براءة ان شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {ان كنتم امنتم بالله وما انزلنا على عبدنا} اي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر وما انزل على رسوله، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في وفد عبد القيس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: "وامركم باربع وانهاكم عن اربع: امركم بالايمان بالله، ثم قال: هل تدرون ما الايمان بالله؟ شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله، واقام الصلاة وايتاء الزكاة، وان تؤدوا الخمس من المغنم" الحديث، فجعل اداء الخمس من جملة الايمان، وقوله: {يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} ينبه تعالى على نعمته واحسانه الى خلقه بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان، لان الله اعلى فيه كلمة الايمان على كلمة الباطل، واظهر دينه ونصر نبيه وحزبه، قال ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل (اخرجه الحاكم). وقال عروة بن الزبير: {يوم الفرقان} يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو اول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان راس المشركين (عتبة بن ربيعة) فالتقوا يوم الجمعان لتسع عشرة او سبع عشرة مضت من رمضان واصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلثمائة وبضعة عشر رجلا، والمشركون ما بين الالف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين واسر منهم مثل ذلك. وكانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان في صبحيتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، وهو الصحيح عند اهل المغازي والسير.

النص: $19 - ان تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وان تنتهوا فهو خير لكم وان تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وان الله مع المؤمنين % يقول تعالى للكفار: {ان تستفتحوا} اي تستنصروا وتستقصوا الله وتستحكموه ان يفصل بينكم وبين اعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سالتم؛ كما قال ابو جهل، قال حين التقى القوم: اللهم اقطعنا للرحم واتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة؛ فكان المستفتح (رواه احمد والنسائي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ؛ وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة الى بدر اخذوا باستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم انصر اعلى الجندين واكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال الله: {ان تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} يقول: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وان تنتهوا} اي عما انتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله {فهو خير لكم} اي في الدنيا والاخرة، وقوله تعالى: {وان تعودوا نعد}، كقوله: {وان عدتم عدنا}، معناه وان عدتم الى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه الواقعة، وقال السدي: {وان تعودوا} اي الى الاستفتاح {نعد} اي الى الفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم والنصر له وتظفيره على اعدائهن والاول اقوى. {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت} اي ولو جمعتم من الجموع ما عسى ان تجمعوا، فان من كان الله معه فلا غالب له، {وان الله مع المؤمنين} وهم الحزب النبوي والجناب المصطفوي.

النص: $17 - فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ان الله سميع عليم - 18 - ذلكم وان الله موهن كيد الكافرين % يبين تعالى انه خالق افعال العباد، وانه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير، لانه هو الذي وفقهم لذلك واعانهم عليه، ولهذا قال: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} اي ليس بحولكم وقوتكم قتلتم اعدائكم، مع كثرة عددهم وقله عددكم، بل هو الذي اظفركم عليهم كما قال: {ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة} الاية، وقال تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين اذا اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} يعلم تبارك وتعالى ان النصر ليس بكثرة العدد والعدد، وانما النصر من عنده تعالى، كما قال تعالى: {كم فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين}، ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ايضا في شان القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر {وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى} اي هو الذي بلغ ذلك اليهم وكبتهم بها لا انت، قال ابن عباس: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يعني يوم بدر فقال: "يا رب ان تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الارض ابدا" فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم، فاخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين احد الا اصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. وقال محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي: لما دنا القوم بعضهم من بعض اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه"، فدخلت في اعينهم كلهم، واقبل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم وياسرونهم وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانزل الله: {وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى}. وقال عروة بن الزبير في قوله: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} اي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم، من اظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته، {ان الله سميع عليم} اي سميع الدعاء {عليم} بمن يستحق النصر والغلب، وقوله: {ذلكم وان الله موهن كيد الكافرين} هذه بشارة اخرى مع ما حصل من النصر انه اعلمهم تعالى بانه مضعف كيد الكافرين، فيما يستقبل مصغر امرهم، وانهم كل ما لهم في تبار ودمار.

النص: $15 - يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار - 16 - ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال او متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله وماواه جهنم وبئس المصير.$ يقول تعالى متوعدا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك {يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفا} اي تقاربتم منهم ودنوتم اليهم {فلا تولوهم الادبار} اي تفرقوا وتتركوا اصحابكم، {ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال} اي يفر بين يدي قرنه مكيدة ليريه انه خاف منه، فيتبعه، ثم يكر عليه فلا باس عليه في ذلك (وهو قول سعيد بن جبير والسدي). وقال الضحاك ان يتقدم عن اصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها، {او متحيزا الى فئة} اي فر من ها هنا الى فئة اخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سريه ففر الى اميره او الى الامام الاعظم دخل في هذه الرخصة. قال الامام احمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة ثم بتنا، ثم قلنا: لو عرضنا انفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا كانت لنا توبة والا ذهبنا، فاتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "من القوم؟" فقلنا: نحن الفرارون، فقال: "لا، بل انتم العكارون انا فئتكم وانا فئة المسلمين" قال: فاتيناه حتى قبلنا يده. وقرا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية: {او متحيزا الى فئة} (رواه احمد وابو داود والترمذي وابن ماجه). وقال اهل العلم: معنى قوله "العكارون": اي العرافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ابي عبيدة لما قتل بارض فارس لكثرة الجيش من المجوس فقال عمر: لو تحيز الي لكنت له فئة، ويروى عنه انا فئة كل مسلم. وقال الضحاك في قوله {او متحيزا الى فئة}: المتحيز الفار الى النبي واصحابه، وكذلك من فر اليوم الى اميره او اصحابه، فاما ان كان الفرار لا عن سبب من هذه الاسباب فانه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله الا بالحق، واكل الربا، واكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (اخرجه الشيخان عن ابي هريرة). ولهذا قال تعالى: {فقد باء} اي رجع {بغضب من الله وماواه} اي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده {جهنم وبئس المصير}. وقال الامام احمد عن بشير بن معبد قال: اتيت النبي صلى الله عليه وسلم لابايعه فاشترط علي شهادة ان لا اله الا الله، وان محمدا عبده ورسوله، وان اقيم الصلاة، وان اؤدي الزكاة، وان احج حجة الاسلام، وان اصوم شهر رمضان، وان اجاهد في سبيل الله؛ فقلت يا رسول الله اما اثنتان فوالله لا اطيقهما: الجهاد، فانهم زعموا انه من ولى الدبر فقد باء بغضب من الله، فاخاف ان حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة، فوالله مالي الا غنيمة وعشر ذود هن رسل اهلي وحمولهم، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حرك يده ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة اذا"؟ قلت: يا رسول الله انا ابايعك، فبايعته عليهن كلهن (اخرجه الامام احمد، قال ابن كثير: حديث غريب من هذا الوجه لم يخرجوه في الكتب الستة). وقد ذهب ذاهبون الى ان الفرار انما كان حراما على الصحابة، لان الجهاد كان فرض عين عليهم، وقيل: على الانصار خاصة لانهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقيل: المراد بهذه الاية اهل بدر خاصة (يروى هذا عن عمرو ابن عباس وابي هريرة وابي سعيد ونافع والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم). وحجتهم في هذا انه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون اليها الا عصابتهم تلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض"، ولهذا قال الحسن في قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} قال: ذلك يوم بدر، فاما اليوم فان انحاز الى فئة او مصر فلا باس عليه، وقال ابن المبارك عن يزيد بن ابي حبيب: اوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: {ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال او متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله}، فلما كان يوم احد بعد ذلك قال: {ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان}، الى قوله {ولقد عفا الله عنهم}، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: {ثم وليتم مدبرين * ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء}. وعن ابي سعيد انه قال في هذه الاية: {ومن يولهم يومئذ دبره} انما انزلت في اهل بدر، وهذا كله لا ينفي ان يكون الفرار من الزحف حراما على غير اهل بدر، وان كان سبب نزول الاية فيهم، كما دل عليه حديث ابي هريرة المتقدم من ان الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، والله اعلم.

النص: $11 - اذ يغشيكم النعاس امنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام - 12 - اذ يوحي ربك الى الملائكة اني معكم فثبتوا الذين امنوا سالقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان - 13 - ذلك بانهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب - 14 - ذلكم فذوقوه وان للكافرين عذاب النار % يذكرهم الله تعالى بما انعم به عليهم من القائه النعاس عليهم امانا، امنهم به من خوفهم الذي حصل لهم، من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم احد، كما قال تعالى: {ثم انزل عليكم من بعد الغم امنة نعاسا} الاية. قال ابو طلحة: كنت ممن اصابه النعاس يوم احد، ولقد سقط السيف من يدي مرارا؛ يسقط واخذه، ويسقط واخذه، ولقد نظرت اليهم يميدون وهم تحت الحجف (الحجف: جمع حجفة وهي الترس)، وقال الحافظ ابو يعلى عن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رايتنا وما فينا الا نائم الا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى اصبح، وقال عبد الله بن مسعود: النعاس في القتال امنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان. وقال قتادة: النعاس في الراس، والنوم في القلب، وكان ذلك كان للمؤمنين عند شدة الباس لتكون قلوبهم امنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمته عليهم، ولهذا جاء في الصحيح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق رضي الله عنه وهما يدعوان اخذت رسول الله سنة من النوم ثم استيقظ متبسما فقال: "ابشر يا ابا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع"، ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء}، قال ابن عباس: ان المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه، فاصاب المؤمنين عليه، فاصاب المؤمنين الظما يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فانزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملاوا الاسقية، وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورا وثبت به الاقدام (وروي نحوه عن قتادة والضحاك)، وذلك انه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله المطر عليها، والمعروف ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار الى بدر نزل على ادنى ماء هناك اي اول ماء وجده، فتقدم اليه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلته منزل انزلك الله اياه فليس لنا ان نجاوزه او منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: "بل منزل نزلته للحرب والمكيدة" فقال: يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل، ولكن سر بنا حتى ننزل على ادنى ماء يلي القوم ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ذلك. وقال مجاهد: انزل الله عليهم المطر قبل النعاس فاطفا بالمطر الغبار وتلبدت به الارض وطابت نفوسهم وثبت به اقدامهم، وقوله: {ليطهركم به} اي من حدث اصغر او اكبر وهو تطهير الظاهر، {ويذهب عنكم رجز الشيطان} اي من وسوسة او خاطر سيء وهو تطهير الباطن، كما قال تعالى في حق اهل الجنة {عاليهم ثياب سندس خضر} فهذا زينة الظاهر، {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} اي مطهرا لما كان من غل او حسد او تباغض وهو زينة الباطن وطهارته، {وليربط على قلوبكم}: اي بالصبر والاقدام على مجالدة الاعداء وهو شجاعة الباطن {ويثبت به الاقدام} وهو شجاعة الظاهر والله اعلم. وقوله تعالى: {اذ يوحي ربك الى الملائكة اني معكم فثبتوا الذين امنوا} وهذه نعمة خفية اظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو انه تعالى وتقدس اوحى الى الملائكة الذين انزلهم لنصر نبيه ودينه ان يثبتوا الذين امنوا، قال ابن جرير: اي ثبتوا المؤمنين وقووا انفسهم على اعدائهم سالقي الرعب والذلة والصغار على من خالف امري وكذب رسولي، {فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان} اي اضربوا الهام فافلقوها واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الاطراف منهم وهي ايديهم وارجلهم، وقد اختلف المفسرون في معنى {فوق الاعناق} فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة. وقيل معناه اي على الاعناق وهي الرقاب، قاله الضحاك. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} وقال القاسم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اني لم ابعث لاعذب بعذاب الله، انما بعثت لضرب الرقاب وشد الوثاق"، وقال الربيع بن انس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة بضرب فوق الاعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد احرق به، وقوله: {واضربوا منهم كل بنان}، وقال ابن جرير: معناه واضربوا من عدوكم ايها المؤمنون كل طرف ومفصل من اطراف ايديهم وارجلهم، والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر: الا ليتني قطعت مني بنانة * ولاقيته في البيت يقظان حاذرا وقال ابن عباس {واضربوا منهم كل بنان} يعني بالبنان الاطراف (وكذا قال الضحاك وابن جرير والسدي)، وقال السدي: البنان الاطراف، ويقال كل مفصل، وقال الاوزاعي: اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار فاذا اخذته حرم ذلك كله عليك، وقال العوفي عن ابن عباس فاوحى الله الى الملائكة: {اني معكم فثبتوا الذين امنوا} الاية، فقتل ابو جهل لعنه الله في تسعة وستين رجلا، واسر عقبة بن ابي معيط، فقتل صبرا فرفى ذلك سبعين يعني قتيلا، لهذا قال تعالى: {ذلك بانهم شاقوا الله ورسوله} اي خالفوهما، فساروا في شق، وتركوا الشرع والايمان به واتباعه في شق، وماخوذ ايضا من شق العصا وهو جعلها فرقتين {ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب} اي هو الطالب الغالب لمن خالفه وناواه لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء تبارك وتعالى لا اله غيره ولا رب سواه، {ذلكم فذوقوه وان للكافرين عذاب بالنار} هذا خطاب للكفار، اي ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا واعلموا ايضا ان للكافرين عذاب النار في الاخرة.

النص: $9 - اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بالف من الملائكة مردفين - 10 - وما جعله الله الا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر الا من عند الله ان الله عزيز حكيم % لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم الى اصحابه وهم ثلثمائة ونيف، ونظر الى المشركين، فاذا هم الف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة وعليه رداؤه وازاره، ثم قال: "اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم ان تهلك هذه العصابة من اهل الاسلام فلا تعبد في الارض ابدا" قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فاتاه ابو بكر فاخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فانه سينجز لك ما وعدك، فانزل الله عز وجل: {اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بالف من الملائكة مردفين}، فلما كان يومئذ التقوا فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا، واسر منهم سبعون رجلا، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا بكر وعمر وعليا فقال ابو يكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان واني ارى ان تاخذ منهم الفدية فيكون ما اخذناه منهم قوى لنا على الكفار، وعسى ان يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترى يا ابن الخطاب؟" قلت: والله ما ارى ما راى ابو بكر، ولكني ارى ان تمكني من فلان - قريب لعمر - فاضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - اخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله ان ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وائمتهم وقادتهم، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ابو بكر ولم يهو ما قلت، واخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت الى النبي صلى الله عليه وسلم وابي بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله ما يبكيك انت وصاحبك؟ فان وجدت بكاء بكيت وان لم اجد بكاء تباكيت لبكائكما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للذي عرض علي اصحابك من اخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابكم ادنى من هذه الشجرة" الشجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم، وانزل الله عز وجل: {ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الارض - الى قوله - فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا}، فاحل لهم الغنائم فلما كان يوم احد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من اخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على راسه، وسال الدم على وجهه، فانزل الله: {او لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم ان الله على كل شيء قدير} باخذكم الفداء (رواه الامام احمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واخرجه مسلم وابو داود والترمذي وابن جرير). قال البخاري في كتاب المغازي باب قول الله تعالى: {اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} الاية، عن طارق بن شهاب قال، سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الاسود مشهدا لان اكون صاحبه احب الي مما عدل به، اتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى {اذهب انت وربك فقاتلا}، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، فرايت النبي صلى الله عليه وسلم اشرق وجهه وسره، يعني قوله، وعن ابن عباس قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "اللهم انشدك عهدك ووعدك، اللهم ان شئت لم تعبد" فاخذ ابو بكر بيده فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر". وقوله تعالى: {بالف من الملائكة مردفين} اي يردف بعضهم بعضا، كما قال ابن عباس {مردفين}: متتابعين، ويحتمل ان المراد {مردفين} لكم اي نجدة لكم، كما قال العوفي عن ابن عباس {مردفين} يقول: المدد، كما تقول انت للرجل زده كذا وكذا (وبه قال مجاهد وابن كثير القارئ وابن زيد). وفي رواية {مردفين} قال: بعضهم على اثر بعض، وقال ابن جرير: نزل جبريل في الف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها ابو بكر، ونزل ميكائيل في الف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يقتضي - ان صح اسناده - ان الالف مردفة بمثلها، ولهذا قرا بعضهم: {مردفين} بفتح الدال والله اعلم، والمشهور ما روي عن ابن عباس قال: وامد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة، وروي عن ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتد في اثر رجل من المشركين امامه اذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: اقدم حيزوم، اذا نظر الى المشرك فخر مستلقيا، قال: فنظر اليه، فاذا هو قد حطم وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك اجمع، فجاء الانصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين واسروا سبعين (اخرجه مسلم وابن جرير). وفي البخاري قال: جاء جبريل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون اهل بدر فيكم؟ قال: "من افضل المسلمين" او كلمة نحوها قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة، وفي الصحيحين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر لما شاوره في قتل (حاطب بن ابي بلتعة) "انه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟"، وقوله تعالى: {وما جعله الله الا بشرى} الاية، اي وما جعل الله بعث الملائكة الا بشرى {ولتطمئن به قلوبكم}، والا فهو تعالى قادر على نصركم على اعدائكم {وما النصر الا من عند الله} اي بدون ذلك، ولهذا قال: {ما النصر الا من عند الله} كما قال تعالى: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض}، وقال تعالى: {وتلك الايام نداولها بين الناس} فهذه حكم شرع الله جهاد الكفار بايدي المؤمنين لاجلها، وقد كان تعالى انما يعاقب الامم السالفة المكذبة للانبياء بالقوارع التي تعم تلك الامم المكذبة، كما اهلك قوم نوح بالطوفان، وعادا الاولى بالدبور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل، وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله موسى واهلك عدوه وانزل على موسى التوراة شرع فيها قتال الكفار واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك، كما قال تعالى: {ولقد اتينا موسى الكتاب من بعد ما اهلكنا القرون الاولى بصائر}، وقتل المؤمنين للكافرين اشد اهانة للكافرين، واشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين: {قاتلوهم يعذبهم الله بايديكم، ويخزهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين}، ولهذا كان قتل صناديد قريش بايدي اعدائهم، انكى لهم واشفى لصدور حزب الايمان، وقتل ابي جهل في معركة القتال اشد اهانة له من موته على فراشه بقارعة او صاعقة او نحو ذلك، ولهذا قال تعالى: {ان الله عزيز} اي له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والاخرة، {حكيم} فيما شرعه من قتلا الكفار مع القدرة على دمارهم واهلاكهم بحوله وقوته سبحانه وتعالى.

النص: $5 - كما اخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون - 6 - يجادلونك في الحق بعد ما تبين كانما يساقون الى الموت وهم ينظرون - 7 - واذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين - 8 - ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون % قال الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: {كما اخرجك ربك} فقال بعضهم: شبه به في الصلاح للمؤمنين، والمعنى: ان الله تعالى يقول: كما انكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححتم فيها، فانتزعها الله منكم، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، كذلك لما كرهتم الخروج الى الاعداء وهم النفير الذين خرجوا لاحراز عيرهم، فكان عاقبة كراهتكم بان قدره لكم على غير ميعاد رشدا وهدى، ونصرا وفتحا، كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم}، وقال اخرون: معنى ذلك {كما اخرجك ربك من بيتك بالحق} على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم، قال مجاهد: {كما اخرجك ربك} كذلك يجادلونك في الحق. وقال بعضهم: يسالونك عن الانفال مجادلة كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: اخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالا فنستعد له. قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم انما خرج من المدينة طالبا لعير ابي سفيان التي بلغه خبرها انها صادرة من الشام فيها اموال جزيلة لقريش، فاستنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، فخرج في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا وجمع الله بين المسلمين والكافرين على غير ميعاد، لما يريد الله تعالى من اعلاء كلمة المسلمين ونصرهم على عدوهم والتفرقة بين الحق والباطل، والغرض ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه خروج النفير اوحى الله اليه، يعده احدى الطائفتين اما العير واما النفير، ورغب كثير من المسلمين الى العير، لانه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: {وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم}. روى ابن ابي حاتم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بدر، حتى اذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: "كيف ترون؟" فقال ابو بكر: يا رسول الله بلغنا انهم بمكان كذا وكذا، قال: ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون؟" فقال عمر: مثل قول ابي بكر، ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون؟" فقال سعد ين معاذ: يا رسول الله ايانا تريد؟ فوالذي اكرمك وانزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تاتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: {اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون}، ولكن اذهب انت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون، ولعلك ان تكون خرجت لامر، واحدث الله اليك غيره، فانظر الذي احدث الله اليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من اموالنا ما شئت، فنزل القران على قول سعد: {كما اخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون} (اخرجه ابن ابي حاتم من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن ابي وقاص الليثي عن ابيه عن جده) الايات، وقال ابن عباس: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر امر الناس ان يتهياوا للقتال وامرهم بالشوكة، فكره ذلك اهل الايمان، فانزل الله: {كما اخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون}، وقال مجاهد: يجادلونك في الحق: في القتال للقاء المشركين. عن عكرمة عن ابن عباس قال، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء. فناداه العباس بن عبد المطلب وهو اسير في وثاقه: انه لا يصلح لك، قال: ولم؟ قال: لان الله عز وجل انما وعدك احدى الطائفتين وقد اعطاك الله ما وعدك (اخرجه الامام احمد قال ابن كثير: اسناده جيد ولم يخرجه احد من اهل الكتب الستة) . ومعنى قوله تعالى: {وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم} اي يحبون ان الطائفة التي لا منعة ولا قتال تكون لكم وهي العير، {ويريد الله ان يحق الحق بكلماته} اي هو يريد ان يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الاسلام، ويجعله غالبا على الاديان، وهو اعلم بعواقب الامور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وان كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم. وقال محمد بن اسحاق رحمه الله: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بابي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين اليهم، وقال: هذه عير قريش فيها اموالهم، فاخرجوا اليها لعل الله ان ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم، وثقل بعضهم، وذلك انهم لم يظنوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، وكان ابو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز، يتجسس الاخبار، ويسال من لقي من الركبان تخوفا على امر الناس حتى اصاب خبرا من بعض الركبان ان محمدا قد استنفر اصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك، فاستاجر (ضمضم بن عمرو الغفاري) فبعثه الى اهل مكة وامره ان ياتي قريشا، فسيتنفرهم الى اموالهم، ويخبرهم ان محمدا قد عرض لها في اصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا الى مكة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اصحابه حتى بلغ واديا يقال له ذفران، فخرح منه، حتى اذا كان ببعضه نزل، واتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، واخبرهم عن قريش، فقام ابو بكر رضي الله عنه فقال فاحسن، ثم قام عمر رضي الله عنه، فقال فاحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما امرك الله به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى: {اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون}، ولكن اذهب انت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشيروا علي ايها الناس" وانما يريد الانصار، وذلك انهم كانوا عدد الناس، وذلك انهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، انا براء من ذمامك حتى تصل الى دارنا، فاذا وصلت الينا فانت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه ابناءنا، ونساءنا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ان لا تكون الانصار ترى عليها نصرته الا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وان ليس عليهم ان يسير بهم الى عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قال له سعد بن معاذ: والله لكانك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "اجل"، فقال: فقد امنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به هو الحق، واعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما امرك الله، فوالذي بعثك بالحق ان استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره ان تلقى بنا عدونا غدا، انا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك، ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: "سيروا على بركة الله وابشروا فان الله قد وعدني احدى الطائفتين، والله لكاني الان انظر الى مصارع القوم"، وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن اسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا اقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن اسحاق.

النص: $2 - انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم اياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون - 3 - الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - 4 - اولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم % قال مجاهد: {وجلت قلوبهم} فرقت اي فزعت وخافت، وهذه صفة المؤمن حق المؤمن الذي اذا ذكر الله وجل قلبه اي خاف منه، ففعل اوامره، وترك زواجره، كقوله تعالى: {والذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} الاية، وكقوله تعالى: {واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هي الماوى} ولهذا قال سفيان الثوري، سمعت السدي يقول في قوله تعالى: {انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم} قال: هو الرجل يريد ان يظلم، او قال يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله فيجل قلبه؛ وعن ام الدرداء في قوله: {انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم} قالت: الوجل في القلب كاحتراق السعفة (السعفة: جريدة النخل)، اما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى، قالت: اذا وجدت ذلك فادع الله عند ربك فان الدعاء يذهب ذلك، وقوله: {واذا تليت عليهم اياته زادتهم ايمانا}، كقوله: {فاما الذين امنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون}، وقد استدل البخاري وغيره من الائمة بهذه الاية واشباهها على زيادة الايمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الامة، بل قد حكى الاجماع عليه غير واحد من الائمة كالشافعي واحمد بن حنبل وابي عبيد كما بينا ذلك مستقصى في اول شرح البخاري ولله الحمد والمنة. {وعلى ربهم يتوكلون} اي لا يرجون سواه ولا يقصدون الا اياه، ولا يلوذون الا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج الا منه، ولا يرغبون الا اليه، ويعلمون انه ما شاء كان وما لم يشا لم يكن، وانه المتصرف في الملك وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الايمان، وقوله: {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}، ينبه تعالى بذلك على اعمالهم بعدما ذكر اعتقادهم، وهذه الاعمال تشمل انواع الخير كلها، وهو اقامة الصلاة وهو حق الله تعالى، وقال قتادة: اقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، وقال مقاتل: اقامتها المحافظة على مواقيتها، واسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القران فيها، والتشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، هذا اقامتها، والانفاق مما رزقهم الله يشمل اخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله فاحبهم الى الله انفعهم لخلقه. قال قتادة في قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} فانفقوا مما رزقكم الله، فانما هذه الاموال عواري وودائع عندك يا ابن ادم اوشكت ان تفارقها. وقوله تعالى: {اولئك هم المؤمنون حقا} اي المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الايمان. عن الحارث بن مالك الانصاري: انه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "كيف اصبحت يا حارث؟" قال: اصبحت مؤمنا حقا، قال: "انظر ما تقول فان لكل شيء حقيقة فما حقيقة ايمانك؟" فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فاسهرت ليلي، واظمات نهاري، وكاني انظر الى عرش ربي بارزا، وكاني انظر الى اهل الجنة يتزاورون فيها، وكاني انظر الى اهل النار يتضاغون (يتضاغون: اي يرفعون اصواتهم بالصراخ والعويل) فيها، فقال: "يا حارث عرفت فالزم" ثلاثا (اخرجه الحافظ الطبراني عن الحارث بن مالك الانصاري) . وقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: {اولئك هم المؤمنون حقا} انما انزل القران بلسان العرب كقولك: فلان سيد حقا، وفي القوم سادة؛ وفلان تاجر حقا، وفي القوم تجار؛ وفلان شاعر حقا، وفي القوم شعراء. وقوله: {لهم درجات عند ربهم} اي منازل ومقامات ودرجات في الجنات، كما قال تعالى: {لهم درجات عند الله والله بصير بما يعملون}، {ومغفرة} اي يغفر لهم السيئات ويشكر لهم الحسنات، وقال الضحاك: اهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو اسفل منه، ولا يرى الذي هو اسفل منه انه فضل عليه احد، ولهذا جاء في الصحيحين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ان اهل عليين ليراهم من اسفل منهم كما ترون الكوكب الغائر في افق من افاق السماء" قالوا: يا رسول الله تلك منازل الانبياء لا ينالها غيرهم؟ فقال: "بلى، والذي نفسي بيده رجال امنوا بالله وصدقوا المرسلين"، وفي الحديث الاخر: "ان اهل الجنة ليتراءون اهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغائر في افق السماء، وان ابا بكر وعمر منهم وانعما" (اخرجه الامام احمد واهل السنن عن ابي سعيد الخدري مرفوعا).

النص: $25 - واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا ان الله شديد العقاب % يحذر تعالى عباده المؤمنين {فتنة} اي اختبارا ومحنة يعم بها المسيء وغيرهن لا يخص بها اهل المعاصي، ولا من باشر بالذنب، بل يعمهما حيث لم تدفع وترفع، كما قال الامام احمد عن مطرف، قال: قلنا للزبير يا ابا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير ضي الله عنه: انا قرانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، لم نكن نحسب انا اهلها حتى وقعت منا حيث وقعت (رواه احمد والبزار). وروى ابن جرير عن الحسن قال، قال الزبير: لقد خوفنا - يعني قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ظننا انا خصصنا بها خاصة؛ وقال الحسن في هذه الاية: نزلت في (علي، وعمار، وطلحة، والزبير) رضي الله عنهم، وقال الزبير: لقد قرات هذه الاية زمانا وما ارانا من اهلها فاذا نحن المعنيون بها {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، وقال السدي: نزلت في اهل بدر خاصة فاصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، وقال ابن عباس: {لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} يعني اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وقال في رواية له عن ابن عباس في تفسير هذه الاية: امر الله المؤمنين ان لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب، وهذا تفسير حسن جدا، ولهذا قال مجاهد: هي ايضا لكم، والقول بان هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وان الخطاب معهم هو الصحيح، ويدل عليه الاحاديث الواردة في التحذير من الفتن، عن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ان الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على ان ينكروه فلا ينكروه، فاذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة" (رواه احمد، قال ابن كثير: لم يخرجه في الكتب الستة احد وفيه رجل متهم). (حديث اخر): قال الامام احمد عن حذيفة بن اليمان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتامرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر او ليوشكن الله ان يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم"، وقال حذيفة رضي الله عنه: ان كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصير منافقا، واني لاسمعها من احدكم في المقعد الواحد اربع مرات، لتامرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتحاضن على الخير، او ليسحتكم الله جميعا بعذاب، او ليؤمرن عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. (حديث اخر): قال الامام احمد ايضا عن عامر رضي الله عنه قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول - واوما باصبعيه الى اذنيه - يقول: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمدهن فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فاصاب بعضهم اسفلها واوعرها وشرها، واصاب بعضهم اعلاها، فكان الذين في اسفلها اذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فاذوهم، فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقا فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا! فان تركوهم وامرهم هلكوا جميعا، وان اخذوا على ايديهم نجوا جميعا. (اخرجه البخاري والترمذي ايضا). (حديث اخر): عن ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اذا ظهرت المعاصي في امتي عمهم الله بعذاب من عنده" فقلت؟ يا رسول الله اما فيهم اناس صالحون؟ قال: "بلى" قالت: فكيف يصنع اولئك؟ قال: "يصيبهم ما اصاب الناس ثم يصيرون الى مغفرة من الله ورضوان" (رواه الامام احمد). وفي رواية: "ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم رجل اعز منهم ولا امنع لا يغيره، الا عمهم الله بعقاب او اصابهم العقاب". وفي اخرى عن عائشة ترفعه: "اذا ظهر السوء في الارض انزل الله باهل الارض باسه" فقلت: وفيهم اهل طاعة الله؟ قال: "نعم ثم يصيرون الى رحمة الله" (اخرجهما الامام احمد).

النص: $53 - ذلك بان الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بانفسهم وان الله سميع عليم - 54 - كداب ال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بايات ربهم فاهلكناهم بذنوبهم واغرقنا ال فرعون وكل كانوا ظالمين % يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بانه تعالى لا يغير نعمة انعمها على احد الا بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: {ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم}، وقوله: {كداب ال فرعون} اي كصنعه بال فرعون وامثالهم حين كذبوا باياته، لكهم بسبب ذنوبهم وسلبهم تلك النعمة التي اسداها اليهم من جنات وعيون، ونعمة كانوا فاكهينن وما ظلمهم الله في ذلك بل كانوا هم الظالمين.

النص: $73 - والذين كفروا بعضهم اولياء بعض الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير % لما ذكر تعالى ان المؤمنين بعضهم اولياء بعض، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، كما قال الحاكم عن اسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتوارث اهل ملتين ولا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما، ثم قرا: {والذين كفروا بعضهم اولياء بعض الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير}"، وفي الصحيحين: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وفي المسند والسنن: "لا يتوارث اهل ملتين شتى" (اخرجه احمد واصحاب السنن وقال الترمذي: حسن صحيح)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين، لا يتراءى نارهما" (اخرجه ابن جرير مرسلا ومتصلا)، وروى ابو داود عن سمرة بن جندب: اما بعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جامع المشرك وسكن معه فانه مثله". ومعنى قوله: {الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير} اي ان لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين والا وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الامر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.

النص: $72 - ان الذين امنوا وهاجروا وجاهدوا باموالهم وانفسهم في سبيل الله والذين اووا ونصروا اولئك بعضهم اولياء بعض والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر الا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير % ذكر تعالى اصناف المؤمنين، وقسمهم الى (مهاجرين) خرجوا من ديارهم واموالهم، وجاءوا لنصر الله ورسوله واقامة دينه، وبذلوا اموالهم وانفسهم في ذلك، والى (انصار) وهم المسلمون من اهل المدينة اذ ذاك اووا اخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في اموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم فهؤلاء {بعضهم اولياء بعض}، اي كل منهم احق بالاخر من كل احد، ولهذا اخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار، كل اثنين اخوان، فكانوا يتوارثون بذلك ارثا مقدما على القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المهاجرون والانصار بعضهم اولياء بعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم اولياء بعض الى يوم القيامة" (اخرجه احمد عن جرير بن عبد الله البجلي ورواه الحافظ ابو يعلى عن ابن مسعود موقوفا)، وقد اثنى الله ورسوله على المهاجرين والانصار في غير ما اية في كتابه فقال: {والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} الاية، وقال: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} الاية، وقال تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله اولئك هم الصادقون * والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم} الاية، واحسن ما قيل في قوله: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا} اي لا يحسدونهم على فضل ما اعطاهم الله على هجرتهم فان ظاهر الايات تقديم المهاجرين على الانصار، وهذا امر مجمع عليه العلماء لا يختلفون في ذلك؛ ولهذا قال الامام البزار عن سعيد بن المسيب عن حذيفة قال: خيرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الهجرة والنصرة فاخترت الهجرة، وقوله تعالى: {والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}، هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين وهم الذين امنوا ولم يهاجروا بل اقاموا في بواديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيبن ولا في خمسها الا ما حضروا فيه القتال، كما روي عن يزيد بن الخصيب الاسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله اذا بعث اميرا على سرية او جيش اوصاه في خاصة بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، وقال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم الى احدى ثلاث خصال - او خلال - فايتهن ما اجابوك اليها فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم الى الاسلام فان اجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم الى التحول من دارهم الى دار المهاجرين واعلمهم ان فعلوا ذلك ان لهم ما للمهاجرين وان عليهم ما على المهاجرين، فان ابوا واختاروا دارهم فاعلمهم انهم يكونون كاعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب الا ان يجاهدوا مع المسلمين، فان ابوا فادعهم الى اعطاء الجزية، فان اجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فان ابوا فاستعن بالله وقاتلهم" (اخرجه مسلم وعنده زيادات اخرى ورواه احمد واللفظ له)، وقوله: {وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر}، يقول تعالى: وان استنصركم هؤلاء الاعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فانه واجب عليكم نصرهم لانهم اخوانكم في الدين الا ان يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق اي مهادنة الى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا ايمانكم مع الذين عاهدتم.

النص: $70 - يا ايها النبي قل لمن في ايديكم من الاسرى ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم. - 71 - وان يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فامكن منهم والله عليم حكيم % قال محمد بن اسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "اني قد رعفت ان اناسا من بني هاشم وغيرهم قد اخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم احدا منهم - اي من بني هاشم - فلا يقتله، ومن لقي البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فانه انما خرج مستكرها"، فقال ابو حذيفة بن عتبة: انقتل اباءنا وابناءنا واخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟ ولله لئن لقيته لالجمنه بالسيف، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر بن الخطاب: "يا ابا حفص - قال عمر: والله انه لاول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا حفص - ايضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟"، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فاضرب عنقه فوالله لقد نافقن فكان ابو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما امن من تلك الكلمة التي قلت ولا ازال خائفا منها الا ان يكفرها الله تعالى عني بشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا رضي الله عنه، قال محمد بن اسحاق: وكان اكثر الاسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب، وذلك انه كان رجلا موسرا فافتدى نفسه بمائة اوقية ذهبا. وفي صحيح البخاري عن انس بن مالك: ان رجالا من الانصار قالوا: يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن اختنا عباس فداءه. قال: "لا والله لا تذرون منه درهما"، وبعثت قريش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء اسراهم، ففدى كل قوم اسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله قد كنت مسلما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله اعلم باسلامك، فان يكن كما تقول فان الله يجزيك، واما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني اخيك نوفل وعقيل، وحليفك عتبة بن عمرو" قال: ما ذاك عندي يا رسول الله، قال: "فاين المال الذي دفنته انت وام الفضل؟ فقلت لها ان اصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقثم"، قال: والله يا رسول الله اني لاعلم انك رسول الله، ان هذا لشيء ما علمه احد غيري وغير ام الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما اصبتم مني عشرين اوقية من مال كان معي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا، ذاك شيء اعطانا الله تعالى منك"، ففدى نفسه وابني اخويه وحليفه، فانزل الله عز وجل فيه: {يا ايها النبي قل لمن في ايديكم من الاسرى ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم}. قال العباس: فاعطاني الله مكان العشرين الاوقية في الاسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به، مع ما ارجو من مغفرة الله عز وجل. وقال ابو جعفر بن جرير: قال العباس في نزلت: {ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الارض}، فاخبرت النبي صلى الله عليه وسلم باسلامي، وسالته ان يحاسبني بالعشرين الاوقية التي اخذت مني فابى، فابدلني الله بها عشرين عبدا كلهم تاجر مالي في يده. وقال ابن عباس قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: امنا بما جئت به ونشهد انك رسول الله لننصحن لك على قومنا، فانزل الله: {ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم} يخلف لكم خيرا مما اخذ منكم {ويغفر لكم} الشرك الذي كنتم عليه، قال فكان العباس يقول: ما احب ان هذه الاية لم تنزل فينا، وان لي الدنيا، لقد قال: {يؤتكم خيرا مما اخذ منكم} فقد اعطاني خيرا مما اخذ مني مائة ضعف، وقال: {ويغفر لكم} وارجو ان يكون قد غفر لي. وقال قتادة: ذكر لنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه مال البحرين ثمانون الفا، وقد توضا لصلاة الظهر، فما اعطى يومئذ شاكيا، ولا حرم سائلا، وما صلى يومئذ حتى فرقه، فامر العباس ان ياخذ منه ويحتثي، فكان العباس يقول: هذا خير مما اخذ منا وارجو المغفرة. قال الحافظ ابو بكر البيهقي عن انس بن مالك قال: اتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فقال: "لنثروه في مسجدي" قال: وكان اكثر مال اتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج الى الصلاة ولم يلتف اليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس اليه، فما كان يرى احدا الا اعطاه، اذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله اعطني فاني فاديت نفسي، وفاديت عقيلا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خذ" فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه الي، قال: "لا"، قال: فارفعه انت علي، قال: "لا"، فنثر منه ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي عنه عجبا من حرصه، فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم (ورواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقا). وقوله: {وان يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل} اي وان يريدوا خيانتك فيما اظهروا لك من الاقوال {فقد خانوا الله من قبل} اي من قبل بدر بالكفر به {فامكن منهم} اي بالاسارى يوم بدر {والله عليم حكيم} اي عليم بفعله حكيم فيه، قال قتادة: نزلت في (عبد الله بن ابي سرح) الكاتب حين ارتد ولحق بالمشركين، وقال عطاء الخراساني: نزلت في عباس واصحابه حين قالوا: لننصحن لك على قومنا، وقال السدي بالعموم، وهو اشمل واظهر والله اعلم.

النص: $67 - ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم - 68 - لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم - 69 - فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله ان الله غفور رحيم % لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تقولون في هؤلاء الاسارى؟" فقال ابو بكر: يا رسول الله قومك واهلك، استبقهم واستتبهم لعل الله ان يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذبوك واخرجوك فقدمهم فاضرب اعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انت في واد كثير الحطب فاضرم الوادي عليهم نارا ثم القهم فيه، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا، ثم قال فدخل، فقال ناس: ياخذ بقول ابي بكر، وقال ناس: ياخذ بقول عمر، وقال ناس: ياخذ بقول عبد الله بن رواحة؛ ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ان الله ليلين قلوب رجال حتى تكون الين من اللبن، وان الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون اشد من الحجارة، وان مثلك يا ابا بكر كمثل ابراهيم عليه السلام قال: {من تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم}، وان مثلك يا ابا بكر كمثل عيسى عليه السلام قال: {ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم}، وان مثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام قال: {ربنا اطمس على اموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم}، وان مثلك يا عبد الله كمثل نوح عليه السلام قال: {رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا} انتم عالة فلا ينفكن احد منهم الا بفداء او ضربة عنق"، قال ابن مسعود: قلت يا رسول الله الا (سهيل بن بيضاء) فانه يذكر الاسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رايتني في يوم اخوف من ان تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الا سهيل بن بيضاء"، فانزل الله عز وجل: {ما كان لنبي ان يكون له اسرى} الى اخر الاية (رواه الامام احمد والترمذي والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجاه). عن ابن عمر قال: لما اسر الاسارى يوم بدر اسر العباس فيمن اسر، اسره رجل من الانصار، قال: وقد اوعدته الانصار ان يقتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اني لم انم الليلة من اجل عمي العباس، وقد زعمت الانصار انهم قاتلوه" فقال له عمر: افاتهم؟ فقال: "نعم"، فاتى عمر الانصار، فقال لهم: ارسولا العباس، فقالواك لا والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فان كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى، قالوا: فان كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى فخذه، فاخذه عمر، فلما صار في يده قال له: يا عباس اسلم، فوالله لان تسلم احب الي من ان يسلم الخطاب، وما ذاك الا لما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه اسلامك، قال: واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا بكر فيهم، فقال ابو بكر: عشيرتك فارسلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانزل الله: {ما كان لنبي ان يكون له اسرى} الاية (اخرجه ابن مردويه والحاكم في المستدرك وقال الحاكم: صحيح الاسناد). قال ابن عباس {ما كان لنبي ان يكون له اسرى} قال غنائم بدر قبل ان يحلها لهم، يقول: لولا اني لا اعذب من عصاني حتى اتقدم اليه، لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم، وكذا روي عن مجاهد، وقال الاعمش: سبق منه ان لا يعذب احدا شهد بدرا، وقال شعبة عن مجاهد {لولا كتاب من الله سبق} اي لهم بالمغفرة، وعن ابن عباس في قوله: {لولا كتاب من الله سبق} يعني في ام الكتاب الاول ان المغانم والاسارى لكم {لمسكم فيما اخذتم} من الاسارى {عذاب عظيم}، ويستشهد لهذا القول بما اخرجاه في الصحيحين: "اعطيت خمسا لم يعطهن احد من الانبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، واحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، واعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث الى قومه وبعثت الى الناس عامة". وقد روى الامام ابو داود في سننه عن ابن عباس: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء اهل الجاهلية يوم بدر اربعمائة، وقد استمر الحكم في الاسرى عند جمهور العلماء ان الامام مخير فيهم، ان شاء قتل كما فعل ببني قريظة، وان شاء فادى بمال كما فعل باسرى بدر، او بمن اسر من المسلمين، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الاكوع، حيث ردهما واخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وان شاء استرق من اسر، هذا مذهب الامام الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسالة خلاف اخر بين الائمة مقرر في موضعه من كتب الفقه.

النص: $64 - يا ايها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين - 65 - يا ايها النبي حرض المؤمنين على القتال ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مائة يغلبوا الفا من الذين كفروا بانهم قوم لا يفقهون - 66 - الان خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وان يكن منكم الف يغلبوا الفين باذن الله والله مع الصابرين % يحرض تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على القتال، ومناجزة الاعداء، ومبارزة الاقران، ويخبرهم انه حسبهم: اي كافيهم ومؤيدهم على عدوهم، وان كثرت اعدادهم وترادفت امدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. قال ابن ابي حاتم عن الشعبي في قوله: {يا ايها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} قال: حسبك الله وحسب من شهد معك، ولهذا قال: {يا ايها النبي حرض المؤمنين على القتال} اي حثهم وذمرهم عليه، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض على القتال عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لاصحابه يوم بدر حين اقبل المشركون في عددهم وعددهم: "قوموا الى جنة عرضها السموات والارض" فقال (عمير بن الحمام) عرضها السموات والارض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم"، فقال: بخ بخ، فقال: "ما يحملك على قولك بخ بخ"؟ قال: رجاء ان اكون من اهلها، قال: "فانك من اهلها"، فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه، واخرج تمرات فجعل ياكل منهن، ثم القى بقيتهن من يده، وقال: لئن انا حييت حتى اكلهن انها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه. ثم قال تعالى مبشرا للمؤمنين وامرا: {ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مائة يغلبوا الفا من الذين كفروا} كل واحد بعشرة، ثم نسخ هذا الامر وبقيت البشارة، قال عبد الله بن المبارك عن ابن عباس لما نزلت {ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم الا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: {الان خفف الله عنكم} الى قوله {يغلبوا مائتين} قال: خفف الله عنهم من العدة ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. وروى البخاري نحوه، وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الاية ثقل على المسلمين واعظموا ان يقاتل عشرون مائتين، ومائة الفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالاية الاخرى فقال: {الان خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا} الاية، فكانوا اذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم ان يفروا من عدوهم، واذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم ان يتحرزوا عنهم (وروي عن مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وزيد ين اسلم وغيرهم ونحو ذلك). وروى الحافظ ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: {ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} قال: نزلت فينا اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

النص: $61 - وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم - 62 - وان يريدوا ان يخدعوك فان حسبك اللهو الذي ايدك بنصره وبالمؤمنين - 63 - والف بين قلوبهم لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم انه عزيز حكيم % يقول تعالى: اذا خفت من قوم خيانة فانبذ اليهم عهدهم على سواء، فان استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم {وان جنحوا} اي مالوا {للسلم} اي المسالمة والمصالحة والمهادنة {فاجنح لها} اي فمل اليها، واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، اجابهم الى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الاخر. قال ابن عباس ومجاهد: ان هذه الاية منسوخة باية السيف في براءة {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر} الاية (وهو قول عطاء وعكرمة والحسن وقتادة وزيد بن اسلم)، وفيه نظر، لان اية براءة فيها الامر بقتالهم اذا امكن ذلك، فاما ان كان العدو كثيفا فانه يجوز مهادنتهم، كما دلت هذه الاية الكريمة، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله اعلم. وقوله: {وتوكل على الله} اي صالحهم وتوكل على الله، فان الله كافيك وناصرك ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا {فان حسبك الله} اي كافيك وحده، ثم ذكر نعمته عليه بما ايده من المؤمنين المهاجرين والانصار، فقال: {هو الذي ايدك بنصره وبالمؤمنين والف بين قلوبهم} اي جمعها على الايمان بك وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، {لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم} اي لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فان الانصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية بين الاوس والخزرج، حتى قطع الله ذلك بنور الايمان، كما قال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا}. وفي الصحيحين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الانصار في شان غنائم حنين قال لهم: "يا معشر الانصار الم اجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وعالة فاغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فالفكم الله بي" كلما قالوا شيئا قالوا: الله ورسوله امن؛ ولهذا قال تعالى: {ولكن الله الف بينهم انه عزيز حكيم} اي عزيز الجناب فلا يخيب رجاء من توكل عليه {حكيم} في افعاله واحكامه، عن ابن عباس قال: ان الرحم لتقطع، وان النعمة لتكفر، وان الله اذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرا: {لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم}، وعن مجاهد قال: اذا التقى المتحابان في الله فاخذ احدهما بيد صاحبه وضحك اليه، تحاتت خطاياهما كما تحات ورق الشجر، قال عبدة، فقلت له: ان هذا ليسير فقال: لا تقل ذلك، فان الله يقول: {لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم} قال عبدة: فعرفت انه افقه مني. عن سلمان الفارسي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ان المسلم اذا لقي اخاه المسلم فاخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، والا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار".

النص: $59 - ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا انهم لا يعجزون - 60 - واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم واخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف اليكم وانتم لا تظلمون % يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : {ولا تحسبن} يا محمد {الذين كفروا سبقوا} اي فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم تحت قهر قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يعجزوننا، كقوله تعالى: {ام حسب الذين يعملون السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون} اي يظنون، وقوله تعالى: {لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض وماواهم النار ولبئس المصير}، وقوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم ماواهم جهنم وبئس المهاد}. ثم امر تعالى باعداد الات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والامكان والاستطاعة فقال: {واعدوا لهم ما استطعتم} اي مهما امكنكم {من قوة ومن رباط الخيل}. عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة}، الا ان القوة الرمي، الا ان القوة الرمي" (اخرجه مسلم واحمد وابن ماجه وابو داود). وروى الامام احمد واهل السنن عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارموا واركبوا وان ترموا خير من ان تركبوا". وعن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل لثلاثة: لرجل اجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فاما الذي له اجر فرجل ربطها في سبيل الله فاطال لها في مرج او روضة، فما اصابت في طيلها ذلك من المرج او الروضة كانت له حسنات، ولو انها قطعت طيلها فاستنت شرفا او شرفين كانت اثارها واورائها حسنات له، ولو انها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد ان يسقى به كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرجل اجر، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر". وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر؟ فقال" : ما انزل الله علي فيها شيئا الا هذه الاية الجامعة الفاذة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} (اخرجه البخاري واللفظ له ومسلم ومالك}. وقد ذهب اكثر العلماء الى ان الرمي افضل من ركوب الخيل، وذهب الامام مالك الى ان الركوب افضل من الرمي؛ وقوله الجمهور اقوى للحديث والله اعلم. وفي الحديث: "الخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة، واهلها معانون عليها، ومن ربط فرسا في سبيل الله كانت النفقة عليه كالماد يده بالصدقة لا يقبضها" (اخرجه الطبراني عن سهل بن الحنظلية). وفي صحيح البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة الاجر والمغنم"، وقوله: {ترهبون} اي تخوفون {به عدو الله وعدوكم} اي من الكفار {واخرين من دونهم}، قال مجاهد: يعني بني قريظة، وقال السدي: فارس، وقال سفيان الثوري: هم الشياطين التي في الدور، وقال مقاتل: هم المنافقون، وهذا اشبه الاقوال، ويشهد له قوله تعالى: {وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم}، وقوله: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف اليكم وانتم لا تظلمون} اي مهما انفقتم في الجهاد فانه يوف اليكم على التمام والكمال، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه ابو داود ان الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله الى سبعمائة ضعف كما تقدم في قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبه انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}.

النص: $36 - ان الذين كفروا ينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا الى جهنم يحشرون - 37 - ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون % قال محمد بن اسحاق: لما اصيب قريش يوم بدر ورجع فلهم الى مكة، ورجع ابو سفيان بعيره، مشى (عبد الله بن ابي ربيعة) و (عكرمة بن ابي جهل) و (صفوان بن امية) في رجال من قريش اصيب اباؤهم وابناؤهم واخوانهم ببدر، فكلموا ابا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش ان محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فاعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ان ندرك منه ثارا بمن اصيب منا، ففعلوا، قال: ففيهم انزل الله عز وجل: {ان الذين كفروا ينفقون اموالهم - الى قوله - هم الخاسرون} (في اللباب: اخرج ابن جرير انها نزلت في ابي سفيان استاجر يوم احد الفين من الاحابيش ليقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ). وقال الضحاك: نزلت في اهل بدر، وعلى كل تقدير فهي عامة، وان كان سبب نزولها خاصا، فقد اخبر تعالى ان الكفار ينفقون اموالهم ليصدون عن اتباع الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب اموالهم، ثم تكون عليهم حسرة اي ندامة، حيث لم تجد شيئا لانهم ارادوا اطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الاخرة عذاب النار، فمن عاش منهم راى بعينه وسمه باذنه ما يسوؤه، ومن قتل منهم او مات فالى الخزي الابدي والعذاب السرمدي، ولهذا قال: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا الى جهنم يحشرون}، وقوله تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب} قال ابن عباس: يميز اهل السعادة من اهل الشقاء، وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر؛ وهذا يحتمل ان يكون هذا التمييز في الاخرة، كقوله: {ثم نقول للذين امنوا مكانكم انتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم} الاية، وقوله: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون}، وقال في الاية الاخرى: {يومئذ يصدعون}، وقال تعالى: {وامتازوا اليوم ايها المجرمون}، ويحتمل ان يكون هذا التمييز في الدنيا بما يظهر من اعمالهم للمؤمنين، اي: انما اقدرناهم على ذلك {ليميز الله الخبيث من الطيب} اي من يطيعه بقتال اعدائه الكافرين، او يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: {وما اصابكم يوم التقى الجمعان فباذن الله وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا} الاية، وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} الاية، فمعنى الاية على هذا انما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم واقدرناهم على انفاق الاموال وبذلها في ذلك {ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه} اي يجعله كله، وهو جمع الشيء بعضه على بعض كما قال تعالى في السحاب {ثم يجعله ركاما} اي متراكما متراكبا، {فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون} اي هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والاخرة.

النص: $55 - ان شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون - 56 - الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون - 57 - فاما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون % اخبر تعالى ان شر ما دب على وجه الارض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين كلما عاهدوا عهدا نقضوه، وكلما اكدوه بالايمان نكثوه، {وهم لا يتقون}: اي لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الاثام، {فاما تثقفنهم في الحرب} اي تغلبهم وتظفر بهم في حرب {فشرد بهم من خلفهم} اي نكل بهم (قاله ابن عباس والحسن البصري والضحاك والسدي وعطاء الخراساني وابن عيينة)، ومعناه: غلظ عقوبتهم واثخنهم قتلا ليخاف من سواهم من الاعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة {لعلهم يذكرون} لعلهم يحذرون ان ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك.

النص: $38 - قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وان يعودوا فقد مضت سنة الاولين - 39 - وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فان انتهوا فان الله بما يعملون بصير - 40 - وان تولوا فاعلموا ان الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير % يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : {قل للذين كفروا ان ينتهوا} اي عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد ويدخلوا في الاسلام والطاعة والانابة يغفر لهم ما قد سلف: اي من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الصحيح: "من احسن في الاسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن اساء في الاسلام اخذ بالاول والاخر". وفي الصحيح ايضا، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الاسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما كان قبلها". وقوله: {وان يعودوا} اي يستمروا على ما هم فيه، {فقد مضت سنة الاولين}: اي فقد مضت سنتنا في الاولين انهم اذا كذبوا واستمروا على عنادهم انا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة، قال مجاهد في قوله: {فقد مضت سنة الاولين} اي في قريش يوم بدر وغيرها من الامم، وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}، قال البخاري عن ابن عمر: ان رجلا جاء فقال: يا ابا عبد الرحمن الا تسمع ما ذكر الله في كتابه: {وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} الاية، فما يمنعك ان لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن اخي اعير بهذه الاية ولا اقاتل احب الي من ان اعير بالاية التي يقول الله، قال عز وجل: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} الى اخر الاية. قال فان الله تعالى يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}، قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ كان الاسلام قليلا، وكان الرجل يفتن في دينه، اما ان يقتلوه واما ان يوثقوه، حتى كثر الاسلام فلم تكن فتنة، فلما راى انه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولكم في علي وعثمان؟ قال ابن عمر: اما عثمان فكان الله قد عفا عنه وكرهتم ان يعفو الله عنه، واما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه واشار بيده، وهذه ابنته او بنته حيث ترون. واتى رجلان في فتنة ابن الزبير الى ابن عمر فقالا: ان الناس قد صنعوا ما ترى وانت ابن عمر بن الخطاب وانت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يمنعك ان تخرج؟ قال: يمنعني الله ان حرم علي دم المسلم، قالوا: او لم يقل الله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله، وانتم تريدون ان تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله. وقال الضحاك عن ابن عباس: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} يعني لا يكون شرك (وهو قول مجاهد والحسن وقتادة والسدي ومقاتل وزيد بن اسلم). وقال عروة بن الزبير: {حتى لا تكون فتنة} حتى لا يفتن مسلم عن دينه، وقوله: {ويكون الدين كله لله}، قال الضحاك عن ابن عباس: يخلص التوحيد لله؛ وقال الحسن وقتادة: ان يقال لا اله الا الله، ان يكون التوحيد خالصا لله فليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الانداد، وقال عبد الرحمن بن اسلم: {ويكون الدين كله لله} لا يكون مع دينكم كفر، ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: "امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله، فاذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم واموالهم الا بحقها وحسابهم على الله عز وجل". وقوله: {فان انتهوا} عما هم فيه من الكفر فكفوا عنه، وان لم تعلموا بواطنهم {فان الله بما يعملون بصير}، كقوله: {فان تابوا واقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} الاية، وفي الاية الاخرى: {فاخوانكم في الدين}، وقال: {فان انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين}. وفي الصحيح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال لا اله الا الله فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لاسامة: "اقتلته بعدما قال لا اله الا الله؟ وكيف تصنع بلا اله الا الله يوم القيامة"؟ فقال: يا رسول الله انما قالها تعوذا، قال: "هلا شققت عن قلبه"، وجعل يقول ويكرر عليه: "من لك بلا اله الا الله يوم القيامة"؟ قال اسامة: حتى تمنيت اني لم اكن اسلمت الا يومئذ، وقوله: {وان تولوا فاعلموا ان الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} اي وان استمروا على خلافكم ومحاربتكم {فاعلموا ان الله مولاكم} سيدكم وناصركم على اعدائكم فنعم المولى ونعم النصير.

النص: $52 - كداب ال فرعون والذين من قبلهم كفروا بايات الله فاخذهم الله بذنوبهم ان الله قوي شديد العقاب % يقول تعالى: فعل هؤلاء من المشركين المكذبين بما ارسلت به يا محمد، كما فعل الامم المكذبة قبلهم، ففعلنا بهم ما هو دابنا، اي عادتنا وسنتنا في امثالهم من المكذبين من ال فرعون، ومن قبلهم من الامم المكذبة بالرسل، الكافرين بايات الله {فاخذهم الله بذنوبهم} اي بسبب ذنوبهم اهلكهم، واخذهم اخذ عزيز مقتدر {ان الله قوي شديد العقاب} اي لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب.

النص: $50 - لو ترى اذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم وذوقوا عذاب الحريق - 51 - ذلك بما قدمت ايديكم وان الله ليس بظلام للعبيد % يقول تعالى: ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة ارواح الكفار، لرايت امرا عظيما هائلا فظيعا منكرا، اذ {يضربون وجوههم وادبارهم وذوقوا عذاب الحريق}. قال ابن عباس: اذا اقبل المشركون بوجوههم الى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف، واذا ولوا ادركتهم الملائكة يضربون ادبارهم، وقال مجاهد في قوله: {يضربون وجوههم وادبارهم} يوم بدر، وقال سعيد بن جبير {يضربون وجوههم وادبارهم} قال: واستاههم، ولكن الله يكني؛ والسياق وان كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا قال تعالى: {ولو ترى اذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم} وفي سورة القتال مثلها، وتقدم في قوله تعالى: {ولو ترى اذ المجرمون في غمرات الموت والملائكة باسطو ايديهم اخرجوا انفسكم} اي باسطو ايديهم بالضرب فيهم بامر ربهم اذا استصعبت انفسهم، وامتنعت من الخروج من الاجساد ان تخرج قهرا، وذلك اذا بشروهم بالعذاب والغضب من الله، كما جاء في حديث البراء: "ان ملك الموت اذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة يقول: اخرجي ايتها النفس الخبيثة الى سموم وحميم وظل من يحموم، فتتفرق في بدنه، فيستخرجونها من جسده كما يخرج السفود من الصفوف المبلول، فتخرج معها العروق والعصب"، ولهذا اخبر تعالى ان الملائكة تقول لهم: ذوقوا عذاب الحريق، وقوله تعالى: {ذلك بما قدمت ايديكم} اي هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الاعمال السيئة في حياتكم الدنيا، جازاكم الله بها هذا الجزاء، {وان الله ليس بظلام للعبيد}: اي لا يظلم احدا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور، تبارك وتقدس الغني الحميد، ولهذا جاء في الحديث القدسي الصحيح: "يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي انما هي اعمالكم احصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه".

النص: $47 - ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط - 48 - واذ زين لهم الشيطان اعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال اني بريء منكم اني ارى ما لا ترون اني اخاف الله والله شديد العقاب - 49 - اذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فان الله عزيز حكيم % يقول تعالى بعد امره المؤمنين بالاخلاص في القتال في سبيله وكثرة ذكره، ناهيا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم بطرا، اي دفعا للحق، {ورئاء الناس} وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال ابو جهل: لا والله، لا نرجع حتى نرد ماء بدر وننحر الجزر، ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان، فانعكس ذلك عليه اجمع، لانهم وردوا به الحمام، وركموا في اطواء بدر مهانين اذلاء، في عذاب سرمدي ابدي، ولهذا قال: {والله بما يعملون محيط} اي عالم بما جاءوا به، ولهذا جازاهم عليه شر الجزاء لهم. قال ابن عباس ومجاهد: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر (وهو قول قتادة والضحاك والسدي وغيرهم)، وقال محمد بن كعب، لما خرجت قريش من مكة الى بدر خرجوا بالقيان والدفوف، فانزل الله: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس}، وقوله تعالى: {واذ زين لهم الشيطان اعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم} الاية؛ حسن لهم لعنه الله ما جاءوا له وما هموا به، واطمعهم انه لا غالب لهم اليوم من الناس، ونفى عنهم الخشية من ان يؤتوا في ديارهم، كما قال تعالى عنه: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا}، قال ابن عباس في هذه الاية: لما كان يوم بدر سار ابليس برايته وجنوده مع المشركين، والقى في قلوب المشركين ان احدا لن يغلبكم، واني جار لكم، فلما التقوا ونظر الشيطان الى امداد الملائكة {نكص على عقبيه} قال: رجع مدبرا، وقال: {اني ارى ما لا ترون} الاية. وقال علي بن ابي طلحة عن ابن عباس قال: جاء ابليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج في صورة (سراقة بن مالك بن جعشم) فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم، فلما اصطف الناس اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، واقبل جبريل عليه السلام الى ابليس، فلما راه وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل يا سراقة اتزعم انك لنا جار؟ فقال: اني ارى ما لا ترون اني اخاف الله والله شديد العقاب؛ وذلك حين راى الملائكة. وقال قتادة: وذكر لنا انه راى جبريل عليه السلام تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله انه لا يدان له بالملائكة فقال: اني ارى ما لا ترون اني اخاف الله، وكذب عدو الله، والله ما به مخافة الله، ولكن علم انه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن اطاعه واستقاد له، حتى اذا التقى الحق والباطل اسلمهم شر مسلم وتبرا منهم عند ذلك. قال تعالى: {كمثل الشيطان اذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال اني بريء منك اني اخاف الله رب العالمين}، وقوله تعالى: {وقال الشيطان لما قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم} الاية. وقوله تعالى: {اذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم}، قال ابن عباس: لما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في اعين المشركينن وقلل المشركين في اعين المسلمين، فقال المشركون: غر هؤلاء دينهم، وانما قالوا ذلك من قلتهم في اعينهم، فظنوا انهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: {ومن يتوكل على الله فان الله عزيز حكيم}، قال قتادة: وذكر لنا ان ابا جهل عدو الله لما اشرف على محمد صلى الله عليه وسلم واصحابه قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم قسوة وعتوا، وقال ابن جريج: هم قوم كانوا مع المنافقين بمكة قالوه يوم بدر، وقال الشعبي: كان ناس من اهل مكة قد تكلموا بالاسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما راوا قلة المسلمين قالوا: غر هؤلاء دينهم. وقال مجاهد: هم فئة من قريش خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب فحسبهم ارتيابهم، فلما راوا قلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: غر هؤلاء دينهم، حتى قدموا على قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم. وهكذا قال محمد بن اسحاق بن يسار سواء. وقال ابن جرير عن الحسن في هذه الاية قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين، وقوله: {ومن يتوكل على الله} اي يعتمد على جنابه {فان الله عزيز} اي لا يضام من التجا اليه، فان الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان {حكيم} في افعاله لا يضعها الا في مواضعها، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من هو اهل لذلك.

النص: $45 - يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون - 46 - واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين % هذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين اداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الاعداء فقال: {يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا}. وفي الصحيحين: "يا ايها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسالوا الله العافية، فاذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا ان الجنة تحت ظلال السيوف"، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الاحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم" (اخرجه الشيخان عن عبد الله بن ابي اوفى مرفوعا). وفي الحديث: "ان الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القران، وعند الزحف، وعند الجنازة" (اخرجه الطبراني عن زيد بن ارقم مرفوعا). وفي الحديث الاخر المرفوع يقول الله تعالى: "ان عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه": اي لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي. وقال قتادة: افترض الله ذكره عند اشغل ما يكون، عند الضرب بالسيوف. وعن كعب الاحبار قال: ما من شيء احب الى الله تعالى من قراءة القران والذكر، ولولا ذلك ما امر الناس بالصلاة والقتال، الا ترون انه امر الناس بالذكر عند القتال فقال: {يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}. فامر تعالى باثبات عند قتال الاعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وان يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به، ويتوكلوا عليه، ويسالوه النصر على اعدائهم، ولا يتنازعوا فيما بينهم ايضا فيختلفوا، فيكون سببا لتخاذلهم وفشلهم، {وتذهب ريحكم} اي قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الاقبال {واصبروا ان الله مع الصابرين} وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما امرهم الله ورسوله به، وامتثال ما ارشدهم اليه ما لم يكن لاحد من الامم والقرون قبلهم، ولا يكون لاحد ممن بعدهم، فانهم ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما امرهم فتحوا القلوب والاقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة الى جيوش سائر الاقاليم، وقهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الاديان، وامتدت الممالك الاسلامية في مشارق الارض ومغاربها في اقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وارضاهم.

النص: $43 - اذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو اراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم انه عليم بذات الصدور - 44 - واذ يريكموهم اذ التقيتم في اعينكم قليلا ويقللكم في اعينهم ليقضي الله امرا كان مفعولا والى الله ترجع الامور % قال مجاهد: اراهم الله اياه في منامه قليلا، واخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فكان تثبيتا لهم، وقوله: {ولو اراكهم كثيرا لفشلتم} اي لجبنتم واختلفتم فيما بينكم {ولكن الله سلم} اي من ذلك بان اراكهم قليلا، {انه عليم بذات الصدور} اي بما تجنه الضمائر وتنطوي عليه الاحشاء، {يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور}، وقوله: {واذ يريكموهم اذ التقيتم في اعينكم قليلا} وهذا ايضا من لطفه تعالى بهم اذ اراهم اياهم قليلا في راي العين فيجرؤهم عليهم ويطمعهم فيهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في اعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل الى جنبي تراهم سبعين؟ قال: لا، بل هم مائة، حتى اخذنا رجلا منهم، فسالناه فقال: كنا الفا (رواه ابن ابي حاتم وابن جرير}، وقوله: {ويقللكم في اعينهم}، قال عكرمة: حضض بعضهم على بعض، {ليقضي الله امرا كان مفعولا} اي ليلقي بينهم الحرب للنقمة من اراد الانتقام منه، والانعام على من اراد تمام النعمة عليه من اهل ولايته، ومعنى هذا انه تعالى اغرى كلا من الفريقين بالاخر، وقلله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال وايد الله المؤمنين بالف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الايمان ضعفيه، كما قال تعالى: {قد كان لكم اية في فئتين التقا فئة تقاتل في سبيل الله واخرى كافرة يرونهم مثليهم راى العين} وهذا هو الجمع بين هاتين الايتين، فان كلا منها حق وصدق ولله الحمد والمنة.

النص: $42 - اذ انتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب اسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وان الله لسميع عليم % يقول تعالى مخبرا عن يوم الفرقان: {اذ انتم بالعدوة الدنيا} اي انتم نزول بعدوة الوادي الدنيا القريبة الى المدينة {وهم} اي المشركون نزول {بالعدوة القصوى} اي البعيدة من المدينة الى ناحية مكة {والركب} اي العير الذي فيه ابو سفيان بما معه من التجارة، {اسفل منكم} اي مما يلي سيف البحر {ولو تواعدتم} اي انتم والمشركون الى مكان {لاختلفتم في الميعاد}، قال محمد بن اسحاق في هذه الاية: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم ما لقيتموهم {ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا} اي ليقضي الله ما اراد بقدرته من اعزاز الاسلام واهله واذلال الشرك واهله من غير ملا منكم، ففعل ما اراد من ذلك بلطفه (اخرجه محمد بن اسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن ابيه)، وانما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، وقال ابن جرير: اقبل ابو سفيام في الركب من الشام، وخرج ابو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة ونهد الناس بعضهم لبعض، وقال محمد بن اسحاق وبعث ابو سفيان الى قريش فقال: ان الله قد نجى عيركم واموالكم ورجالكم فارجعوا، فقال ابو جهل: والله لا نرجع حتى ناتي بدرا - وكانت بدر سوقا من اسواق العرب - فنقيم بها ثلاثا، فنطعم بها الطعام وننحر بها الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا بعدها ابدا. واقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: "هذه مكة قد القت اليكم افلاذ كبدها". قال محمد بن اسحاق وحدثني عبد الله بن ابي بكر بن حزم، ان سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما التقى الناس يوم بدر: يا رسول الله الا نبني لك عريشا تكون فيه وننيخ اليك ركائبك، ونلقى عدونا؟ فان اظفرنا الله عليهم واعزنا فذاك ما نحب، وان تكن الاخرى فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك اقوام ما نحن باشد لك حبا منهم، لو علموا انك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ويوازرونك وينصرونك، فاثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له، فبني له عريش فكان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر ما معهما غيرهما. قال ابن اسحاق: وارتحلت قريش حين اصبحت، فلما اقبلت وراها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم هذه قريش قد اقلبت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم احنهم الغداة". وقوله: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} اي ليكفر من كفر بعد الحجة لما راى من الاية والعبرة، ويؤمن من امن على مثل ذلك، يقول تعالى: انما جمعكم من عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد لينصركم عليهم، ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الامر ظاهرا، والحجة قاطعة والبراهين ساطعة، ولا يبقى لاحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، اي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من امره انه مبطل لقيام الحجة عليه {ويحيى من حي} اي يؤمن من امن {عن بينة} اي حجة وبصيرة، والايمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: {اومن كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس}، وقالت عائشة في قصة الافك: فهلك في من هلك، اي قال فيها ما قال من البهتان والافك، وقوله {وان الله لسميع} اي لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به {عليم} اي بكم وانكم تستحقون النصر على اعدائكم الكفرة المعاندين.

النص: $74 - والذين امنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين اووا ونصروا اولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم - 75 - والذين امنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فاولئك منكم واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله ان الله بكل شيء عليم % لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا، عطف بذكر ما لهم في الاخرة، فاخبر عنهم بحقية الايمان، وانه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب ان كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف الذي لا ينقطع ولا ينقضي، ولا يسام ولا يمل لحسنه وتنوعه، ثم ذكر ان الاتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الايمان والعمل الصالح فهم معهم في الاخرة كما قال: {والسابقون الاولون} الاية، وقال: {والذين جاءوا من بعدهم} الاية، وفي الحديث المتفق عليه: "المرء مع من احب"، وفي الحديث الاخر: "ومن احب قوما فهو منهم" وفي رواية: "حشر معهم"، واما قوله تعالى: {واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله} اي في حكم الله، وليس المراد بقوله: {واولوا الارحام} (اخرج ابن جرير: كان الرجل يعاقد الرجل فيقول ترثني وارثك، فنزلت: {واولوا الارحام بعضهم...} الاية، واخرج ابن سعد: اخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزبير بن العوام وكعب بن مالك، قال الزبير: لقد رايت كعبا اصابته الجراحة باحد، فقلت: لو مات لورثته، فنزلت هذه الاية) خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض، على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم، بل الحق ان الاية عامة تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد، على انها ناسخة للارث بالحلف والاخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما اولا، وعلى هذا فتشمل ذوي الارحام بالاسم الخاص والله اعلم.

النص: $58 - واما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء ان الله لا يحب الخائنين % يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {واما تخافن من قوم} قد عاهدتهم {خيانة} اي نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود {فانبذ اليهم} اي عهدهم على سواء: اي اعلمهم بانك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بانك حرب لهم وحرب لك، وانه لا عهد بينك وبينهم على السواء، اي تستوي انت وهم في ذلك، قال الراجز: فاضرب وجوه الغدر للاعداء * حتى يجيبوك الى السواء {ان الله لا يحب الخائنين} ولو في حق الكفار لا يحبها ايضا، عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في ارض الروم، وكان بينه وبينهم امد فاراد ان يدنو منهم، فاذا انقضى الامد غزاهم، فاذا شيخ على دابة يقول: الله اكبر، الله اكبر، وفاء لا غدر، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها، حتى ينقضي امدها، او ينبذ اليهم على سواء"، قال فبلغ ذلك معاوية، فرجع فاذا بالشيخ عمرو بن عنبسة رضي الله عنه (رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وقال الترمذي: حسن صحيح). وقال الامام احمد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه انه انتهى الى حصن او مدينة، فقال لاصحابه: دعوني ادعوهم كما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم، فقال انما كنت رجلا منكم فهداني الله عز وجل للاسلام، فان اسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وان ابيتم فادوا الجزية وانتم صاغرون، وان ابيتم نابذناكم على سواء، {ان الله لا يحب الخائنين} يفعل ذلك بهم ثلاثة ايام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس اليها ففتحوها بعون الله.