الصفحة الرئيسة للموقع | فهرس الكتب | البحث

النص الكامل

الكتاب: مختصر تفسير ابن كثير
المؤلف: 'اختصار الصابوني '

عنوان النص: 49 - سورة الحجرات

النص: $14 - قالت الاعراب امنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم وان تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من اعمالكم شيئا ان الله غفور رحيم - 15 - انما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا باموالهم وانفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون - 16 - قل اتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الارض والله بكل شيء عليم - 17 - يمنون عليك ان اسلموا قل لا تمنوا علي اسلامكم بل الله يمن عليكم ان هداكم للايمان ان كنتم صادقين - 18 - ان الله يعلم غيب السماوات والارض والله بصير بما تعملون % يقول تعالى منكرا على الاعراب، الذين ادعوا لانفسهم مقام الايمان، ولم يتمكن الايمان في قلوبهم بعد: {قالت الاعراب امنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم}، وقد استفيد ان الايمان اخص من الاسلام، ويدل عليه حديث جبريل عليه الصلاة والسلام، حين سال عن الاسلام، ثم عن الايمان، ثم عن الاحسان، فترقى من الاعم، الى الاخص، روى الامام احمد، عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه قال: اعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا، فقال سعد رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله اعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا شيئا وهو مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "او مسلم؟" حتى اعادها سعد رضي الله عنه ثلاثا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "او مسلم؟"، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اني لاعطي رجالا وادع من هو احب الي منهم، فلم اعطه شيئا مخافة ان يكبوا في النار على وجوههم"، فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمن والمسلم، فدل على ان الايمان اخص من الاسلام، ودل على ان ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقا، لانه تركه من العطاء، ووكله الى ما هو فيه من الاسلام، فهؤلاء الاعراب المذكورون في هذه الاية ليسوا بمنافقين، وانما هم مسلمون لم يستحكم الايمان في قلوبهم، فادعوا لانفسهم مقاما اعلى مما وصلوا اليه، فادبوا في ذلك، وانما قلنا هذا لان البخاري رحمه الله ذهب الى ان هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الايمان وليسوا كذلك، وقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد {ولكن قولوا اسلمنا}: اي استسلمنا خوف القتل والسبي، قال مجاهد: نزلت في بني اسد بن خزيمة، وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بايمانهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحيح الاول انهم قوم ادعوا لانفسهم مقام الايمان ولم يحصل لهم بعد فادبوا واعلموا ان ذلك لم يصلوا اليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، وانما قيل لهؤلاء تاديبا: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم} اي لم تصلوا الى حقيقة الايمان بعد، ثم قال تعالى: {وان تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من اعمالكم شيئا} اي لا ينقصكم من اجوركم شيئا كقوله عز وجل: {وما التناهم من عملهم من شيء}، وقوله تعالى: {ان الله غفور رحيم} اي لمن تاب اليه واناب. وقوله تعالى: {انما المؤمنون} اي انما المؤمنون الكمل {الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} اي لم يشكوا ولا تزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، {وجاهدوا باموالهم وانفسهم في سبيل الله} اي وبذلوا مهجهم ونفائس اموالهم في طاعة الله ورضوانه، {اولئك هم الصادقون} اي في قولهم اذا قالوا انهم مؤمنون، لا كبعض الاعراب الذين ليس لهم من الايمان الا الكلمة الظاهرة، وقوله سبحانه وتعالى: {قل اتعلمون الله بدينكم} اي اتخبروه بما في ضمائركم؟ {والله يعلم ما في السموات وما في الارض} اي لايخفى عليه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ولا اصغر من ذلك ولا اكبر، {والله بكل شيء عليم}. ثم قال تعالى: {يمنون عليك ان اسلموا قل لا تمنوا علي اسلامكم} يعني الاعراب الذين يمنون باسلامهم ومتابعتهم على الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ردا عليهم: {قل لا تمنوا علي لاسلامكم} فان نفع ذلك انما يعود عليكم ولله المنة عليكم فيه، {بل الله يمن عليكم ان هداكم للايمان ان كنتم صادقين} اي في دعواكم ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للانصار يوم حنين: "يا معشر الانصار الم اجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فالفكم الله بي؟ وكنتم عالة فاغناكم الله بي؟" كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله امن. وروى الحافظ البزار، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت بنو اسد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله اسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ان فقههم قليل، وان الشيطان ينطلق على السنتهم"، ونزلت هذه الاية: {يمنون عليك ان اسلموا قل لا تمنوا علي اسلامكم بل الله يمن عليكم ان هداكم للايمان ان كنتم صادقين}، ثم كرر الاخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصره باعمال المخلوقات فقال: {ان الله يعلم غيب السماوات والارض والله بصير بما تعملون}.

النص: $13 - يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير % يقول تعالى مخبرا للناس انه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها وهما (ادم) و (حواء) وجعلهم شعوبا وهي اعم من القبائل، وبعدها مراتب اخر، كالفصائل والعشائر والافخاذ وغير ذلك، فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية، الى ادم وحواء عليهما السلام سواء، وانما يتفاضلون بالامور الدينية، وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم،ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة، واحتقار بعض الناس بعضا، منبها على تساويهم في البشرية: {يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} اي ليحصل التعارف بينهم كل يرجع الى قبيلته، وقال مجاهد {لتعارفوا} كما يقال فلان ابن فلان من قبيلة كذا وكذا، وعن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعلموا من انسابكم ما تصلون به ارحامكم، فان صلة الرحم محبة في الاهل مثراة في المال منساة في الاثر" (اخرجه الترمذي وقال: حديث غريب). وقوله تعالى: {ان اكرمكم عند الله اتقاكم}، اي انما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالاحساب. وقد وردت الاحاديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى البخاري عن ابي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم اي الناس اكرم؟ قال: "اكرمهم عند الله اتقاهم"، قالوا: ليس على هذا ما نسالك، قال: "فاكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله ابن خليل الله"، قالوا: وليس على هذا ما نسالك، قال: "فعن معادن العرب تسالوني"؟ قالوا: نعم، قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام اذا فقهوا". (حديث اخر): عن ابي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ان الله لا ينظر الى صوركم واموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم واعمالكم" (اخرجه مسلم وابن ماجة). (حديث اخر): وروى الامام احمد، عن ابي ذر رضي الله عنه قال ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "انظر فانك لست بخير من احمر ولا اسود الا ان تفضله بتقوى الله" (تفرد به احمد). (حديث اخر): وعن حبيب بن خراش العصري انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المسلمون اخوة لا فضل لاحد على احد الا بالتقوى" (اخرجه الطبراني). (حديث اخر): وعن حذيفة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم بنو ادم وادم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بابائهم او ليكونن اهون على الله تعالى من الجعلان" (اخرجه البزار في مسنده). (حديث اخر): قال ابن ابي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الاركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخا في المسجد حتى نزل صلى الله عليه وسلم على ايدي الرجال، فخرج بها الى بطن المسيل فانيخت، ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فحمد الله تعالى واثنى عليه بما هو له اهل، ثم قال: "يا ايها الناس ان الله تعالى قد اذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بابائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى، ان الله عز وجل يقول: {يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير}". ثم قال صلى الله عليه وسلم: "اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم" (اخرجه ابن ابي حاتم وعبد بن حميد). وقوله تعالى: {ان الله عليم خبير} اي عليم بكم خبير باموركم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير.

النص: $12 - يا ايها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم % يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للاهل والناس في غير محله، لان بعض ذلك يكون اثما محضا، قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: لا تظنن بكلمة خرجت من اخيك المؤمن الا خيرا وانت تجد لها في الخير محملا، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رايت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: "ما اطيبك واطيب ريحك! ما اعظمك واعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن اعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وان يظن به الا خيرا" (اخرجه ابن ماجة في سننه). وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اياكم والظن فان الظن اكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله اخوانا" (اخرجه البخاري والامام مالك). وعن انس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله اخوانا ولا يحل لمسلم ان يهجر اخاه فوق ثلاثة ايام" (اخرجه مسلم والترمذي وصححه). وروى الطبراني، عن حارثة بن النعمان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لازمات لامتي: الطيرة والحسد وسوء الظن"، فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال صلى الله عليه وسلم: "اذا حسدت فاستغفر الله، واذا ظننت فلا تحقق، واذا تطيرت فامض" (رواه الطبراني). وروى ابو داود، عن زيد رضي الله عنه قال: اتي ابن مسعود رضي الله عنه برجل فقيل له هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال عبد الله رضي الله عنه: انا قد نهينا عن التجسس، ولكن ان يظهر لنا شيء ناخذ به" (رواه ابو داود وسماه ابن ابي حاتم في روايته (الوليد بن عقبة)). وروى الامام احمد، عن ابي الهيثم عن دجين كاتب عقبة قال: قلت لعقبة ان لنا جيرانا يشربون الخمر، وانا داع لهم الشرط فياخذونهم، قال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا، قال، فجاءه دجين، فقال: اني قد نهيتهم واني داع لهم الشرط، فتاخذهم، فقال له عقبة: ويحك لا تفعل، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ستر عورة مؤمن فكانما استحيا موءودة من قبرها" (رواه احمد وابو داود والنسائي). {ولا تجسسوا} اي على بعضكم بعضا، والتجسس غالبا يطلق في الشر ومنه الجاسوس، واما التحسس فيكون غالبا في الخير، كما قال عز وجل اخبارا عن يعقوب: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف واخيه ولا تياسوا من روح الله}. وقال الاوزاعي: التجسس البحث عن الشيء، والتحسس الاستماع الى حديث القوم، او يتسمع على ابوابهم، والتدابر: الصرم. وقوله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا} فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه ابو داود، عن ابي هريرة، قال، قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال صلى الله عليه وسلم: "ذكرك اخاك بما يكره" قيل: افرايت ان كان في اخي ما اقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: "ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وان لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". وعن عائشة رضي الله عنها قالت، قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، تعني قصيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته".قالت: وحكيت له انسانا، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما احب اني حكيت انسانا، وان لي كذا وكذا" (اخرجه ابو داود والترمذي). والغيبة محرمة بالاجماع، ولا يستثنى من ذلك الا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة، كقوله صلى الله عليه وسلم، لما استاذن عليه ذلك الرجل الفاجر: "ائذنوا له بئس اخو العشيرة"، وكقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها وقد خطبها معاوية وابو الجهم: "اما معاوية فصعلوك واما ابو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الاكيد ولهذا شبهها تبارك وتعالى باكل اللحم من الانسان الميت كما قال عز وجل: {ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه} اي كما تكرهون هذا طبعا فاكرهوا ذاك شرعا، فان عقوبته اشد من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، وثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه انه صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: "ان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا". وروى ابو داود، عن ابي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل المسلم على المسلم حرام، ماله، وعرضه، ودمه، حسب امرئ من الشر ان يحقر اخاه المسلم" (رواه ابو داود والترمذي وقال: حسن غريب). وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اسمع العواتق في بيوتها، او قال: في خدورها، فقال: "يا معشر من امن بلسانه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فانه من يتبع عورة اخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته" (رواه الحافظ ابو يعلى وابو داود بنحوه). (طريق اخرى): عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر من امن بلسانه ولم يفض الايمان الى قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فانه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله"، قال، ونظر ابن عمر يوما الى الكعبة فقال: ما اعظمك واعظم حرمتك، وللمؤمن اعظم حرمة عند الله منك. عن انس بن مالك قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما عرج بي مررت بقوم لهم اظافر من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هولاء يا جبريل؟ قال: هولاء الذين ياكلون لحوم الناس ويقعون في اعراضهم" (اخرجه ابو داود والامام احمد). وروى ابن ابي حاتم، عن سعيد الخدري قال، قلنا: يا رسول الله حدثنا ما رايت ليلة اسري بك؟ قال: "ثم انطلق بي الى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء، موكل بهم رجال يعمدون الى عرض جنب احدهم، فيجذون منه الجذة مثل النعل، ثم يضعونها في في احدهم، فيقال له: كل كما اكلت - وهو يجد من اكله الموت يا محمد لو يجد الموت وهو يكره عليه - فقلت: يا جبرائيل من هولاء؟ قال: هولاء الهمازون اللمازون اصحاب النميمة، فيقال {ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه} وهو يكره على اكل لحمه". وروى الحافظ البيهقي، عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان امراتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان رجلا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ان ههنا امراتين صامتا، وانهما كادتا تموتان من العطش، اراه قال بالهاجرة، فاعرض عنه او سكت عنه، فقال: يا نبي الله انهما والله قد ماتتا، او كادتا تموتان، فقال: "ادعهما"، فجاءتا، قال، فجيء بقدح او عس، فقال لاحداهما: "قيئي"، فقاءت من قيح ودم وصديد، حتى قاءت نصف القدح، ثم قال للاخرى: "قيئي"، فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما ودما عبيطا وغيره، حتى ملات القدح، ثم قال: "ان هاتين صامتا عما احل الله لهما، وافطرتا على ما حرم الله عليهما، وجلست احداهما الى الاخرى فجعلتا تاكلان لحوم الناس" (اخرجه الحافظ البيهقي والامام احمد). وروى الحافظ ابو يعلى، عن ابن عمر ان ماعزا جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله اني قد زنيت، فاعرض عنه، حتى قالها اربعا، فلما كان في الخامسة قال: "زنيت؟" قال: نعم، قال: "وتدري ما الزنا؟" قال: نعم، اتيت منها حراما ما ياتي الرجل من امراته حلالا، قال: "ما تريد الى هذا القول؟" قال: اريد ان تطهرني، قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادخلت ذلك منك في ذلك منها، كما يغيب الميل في المكحلة والرشا في البئر؟" قال: نعم يا رسول الله، قال، فامر برجمه فرجم، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين يقول احدهما لصاحبه: الم تر الى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب؟ ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى مر بجيفة حمار، فقال: "اين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار"، قالا: غفر الله لك يا رسول الله، وهل يؤكل هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: "فما نلتما من اخيكما انفا اشد اكلا منه، والذي نفسي بيده انه الان لفي انهار الجنة ينغمس فيها" (اخرجه الحافظ ابو يعلى واسناده صحيح). وروى الامام احمد، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون الناس؟" (اخرجه الامام احمد في مسنده) وقوله عز وجل: {واتقوا الله} اي فيما امركم به ونهاكم عنه فراقبواه في ذلك واخشوا منه، {ان الله تواب رحيم} اي تواب على من تاب اليه {رحيم} لمن رجع اليه واعتمد عليه، قال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته ان يقلع عن ذلك، ويعزم على ان لا يعود، وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وان يتحلل من الذي اغتابه، وقال اخرون: لا يشترط ان يتحلله، فانه اذا اعلمه بذلك ربما تاذى اشد مما لم يعلم بما كان منه، فطريقه اذا ان يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وان يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، لتكون تلك بتلك؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله اليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد سبه حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال" (اخرجه ابو داود واحمد). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، الا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرئ ينصر امرءا مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته الا نصره الله عز وجل في مواطن يحب فيها نصرته" (اخرجه ابو داود).

النص: $11 - يا ايها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ولا تلمزوا انفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون % ينهى تعالى عن السخرية بالناس وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: "الكبر بطر الحق، وغمط الناس"، والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم وهذا حرام، فانه قد يكون المحتقر اعظم قدرا عند الله تعالى واحب اليه من الساخر منه المتحقر له، ولهذا قال تعالى: {يا ايها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن} فنص على نهي الرجال وعطف بنهي النساء، وقوله تبارك وتعالى: {ولا تلمزوا انفسكم} اي لاتلمزوا الناس، والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون كما قال تعالى: {ويل لكل همزة لمزة}، والهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال عز وجل: {هماز مشاء بنميم} قال ابن عباس ومجاهد: {ولا تلمزوا انفسكم} اي لا يطعن بعضكم على بعض، وقوله تعالى: {ولا تنابزوا بالالقاب} اي لاتداعوا بالالقاب وهي التي يسوء الشخص سماعها، قال الشعبي: حدثني ابو جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة {ولا تنابزوا بالالقاب} قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وليس فينا رجل الا وله اسمان او ثلاثة، فكان اذا دعا احدا منهم باسم من تلك الاسماء، قالوا: يا رسول الله انه يغضب من هذا، فنزلت: {ولا تنابزوا بالالقاب} (اخرجه الامام احمد وابو داود)، وقوله جل وعلا: {بئس الاسم الفسوق بعد الايمان} اي بئس الصفة والاسم الفسوق، وهو التنابز بالالقاب كما كان اهل الجاهلية يتناعتون بعد ما دخلتم في الاسلام وعقلتموه {ومن لم يتب} اي من هذا {فاولئك هم الظالمون}.

النص: $9 - وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى امر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب المقسطين - 10 - انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون % يقول تعالى امرا بالاصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض: {وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما} فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره، على انه لا يخرج عن الايمان بالمعصية وان عظمت، لا كما يقوله الخوارج والمعتزلة، وهكذا ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوما ومعه على المنبر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فجعل ينظر اليه مرة، والى الناس اخرى ويقول: "ان ابني هذا سيد ولعل الله تعالى ان يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (اخرجه البخاري عن ابي بكرة رضي الله عنه). فكان كما قال صلى الله عليه وسلم، اصلح الله تعالى به بين اهل الشام واهل العراق، بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة، وقوله تعالى: {فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى امر الله} اي حتى ترجع الى امر الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح: "انصر اخاك ظالما او مظلوما" قيل: يا رسول الله انصره مظلوما فكيف انصره ظالما؟ قال صلى الله عليه وسلم: "تمنعه من الظلم فذاك نصرك اياه". وروى الامام احمد، عن انس رضي الله عنه قال، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو اتيت عبد الله بن ابي، فانطلق اليه النبي صلى الله عليه وسلم، وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون وهي ارض سبخة، فلما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم اليه قال: اليك عني فوالله لقد اذاني ريح حمارك، فقال رجل من الانصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم اطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما اصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والايدي والنعال، فبلغنا انه انزلت فيهم: {وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما} (اخرجه احمد ورواه البخاري بنحوه). وذكر سعيد بن جبير: ان الاوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فانزل الله تعالى هذه الاية، فامر بالصلح بينهما، وقال السدي: كان رجل من الانصار يقال له عمران، كانت له امراة تدعى ام زيد، وان المراة ارادت ان تزور اهلها فحبسها زوجها، وجعلها في علية له، لا يدخل عليها احد من اهلها، وان المراة بعثت الى اهلها فجاء قومها وانزلوها، لينطلقوا بها، وان الرجل كان قد خرج، فاستعان اهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المراة وبين اهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الاية، فبعث اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واصلح بينهم وفاءوا الى امر الله تعالى. وقوله عز وجل: {فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب المقسطين} اي اعدلوا بينهما بالقسط وهو العدل {ان الله يحب المقسطين}، روى ابن ابي حاتم، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ان المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن عز وجل بما اقسطوا في الدنيا" (اخرجه ابن ابي حاتم والنسائي). وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم واهاليهم وما ولوا" (اخرجه مسلم والنسائي وابن ابي حاتم عن عبد الله بن عمرو). وقوله تعالى: {انما المؤمنون اخوة} اي الجميع اخوة في الدين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"، وفي الصحيح: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه"، وفي الصحيح ايضا: "اذا دعا المسلم لاخيه بظهر الغيب قال الملك: امين ولك بمثله" والاحاديث في هذا كثيرة. وقوله تعالى: {فاصلحوا بين اخويكم} يعني الفئتين المقتتلتين {واتقوا الله} اي في جميع اموركم {لعلكم ترحمون}. وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه.

النص: $6 - يا ايها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبا فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين - 7 - واعلموا ان فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان اولئك هم الراشدون - 8 - فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم % يامر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، وقد نهى الله عز وجل عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال، لاحتمال فسقه في نفس الامر، وقبلها اخرون، وقد ذكر كثير من المفسرين ان هذه الاية نزلت في (الوليد بن عقبة بن ابي معيط) حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق: قال الامام احمد، عن الحارث بن ابي ضرار الخزاعي رضي الله عنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني الى الاسلام، فدخلت فيه واقررت به، ودعاني الى الزكاة فاقررت بها، وقلت: يا رسول الله ارجع اليهم، فادعوهم الى الاسلام، واداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل الي يا رسول الله رسولا ابان كذا وكذا لياتيك بما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الابان الذي اراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يبعث اليه، احتبس عليه الرسول، ولم ياته، وظن الحارث انه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى رسوله، فدعا بسروات قومه، فقال لهم: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتا يرسل الي رسوله، ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف، ولا ارى حبس رسوله الا من سخطه، فانطلقوا بنا ناتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم (الوليد بن عقبة) الى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما ان سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق - اي خاف - فرجع حتى اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ان الحارث قد منعني الزكاة واراد قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث البعث الى الحارث رضي الله عنه، واقبل الحارث باصحابه حتى اذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: الى من بعثتم؟ قالوا: اليك، قال: ولم؟ قالوا: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث اليك (الوليد بن عقبة) فزعم انك منعته الزكاة واردت قتله، قال رضي الله عنه: لا والذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ما رايته بتة، ولا اتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "منعت الزكاة واردت قتل رسولي؟" قال: لا والذي بعثك بالحق ما رايته ولا اتاني، وما اقبلت الا حين احتبس علي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، خشيت ان يكون كونت سخطة من الله تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: {يا ايها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبا - الى قوله - حكيم} (اخرجه الامام احمد وابن ابي حاتم والطبراني). وروى ابن جرير، عن ام سلمة رضي الله عنها قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون امر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت، فحدثه الشيطان انهم يريدون قتله، قالت، فرجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ان بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، قالت: فبلغ القوم رجوعه، فاتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت الينا رجلا مصدقا، فسررنا بذلك، وقرت به عيننا، ثم انه رجع من بعض الطريق، فخشينا ان يكون ذلك غضبا من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يزالوا يكلمونه، حتى جاء بلال رضي الله عنه، فاذن بصلاة العصر، قالت: ونزلت: {يا ايها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبا فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}؟ (اخرجه ابن جرير من حديث ام سلمة). وقال مجاهد وقتادة: ارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم (الوليد بن عقبة) الى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه بالصدقة فرجع، فقال: ان بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك، زاد قتادة: وانهم قد ارتدوا عن الاسلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه اليهم، وامره ان يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى اتاهم ليلا. فبعث عيونه، فلما جاءوا اخبروا خالدا رضي الله عنه انهم مستمسكون بالاسلام، وسمعوا اذانهم وصلاتهم، فلما اصبحوا اتاهم خالد رضي الله عنه فراى الذي يعجبه، فرجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره الخبر، فانزل الله تعالى هذه الاية. وكذا ذكر غير واحد من السلف، انها نزلت في (الوليد بن عقبة)، والله اعلم. وقوله تعالى: {واعلموا ان فيكم رسول الله} اي اعلموا ان بين اظهركم رسول الله، فعظموه ووقروه وتادبوا معه وانقادوا لامره، فانه اعلم بمصالحكم واشفق عليكم منكم، ورايه فيكم اتم من رايكم لانفسكم، {لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم} اي لو اطاعكم في جميع ما تختارونه لادى ذلك الى عنتكم وحرجكم، كما قال سبحانه: {ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن}، وقوله عز وجل: {ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم} اي حببه الى نفوسكم، وحسنه في قلوبكم، وعن انس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الاسلام علانية والايمان في القلب"، ثم يشير بيده الى صدره ثلاث مرات ثم يقول: "التقوى ههنا، التقوى ههنا" (اخرجه الامام احمد)، {وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان} اي وبغض اليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار، والعصيان وهي جميع المعاصي وهذا تدريج لكمال النعمة، وقوله تعالى: {اولئك هم الراشدون} اي المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد اتاهم الله رشدهم، عن ابي رفاعة الزرقي، عن ابيه قال: لما كان يوم احد وانكفا المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استووا حتى اثني على ربي عز وجل"، فصاروا خلفه صفوفا، فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن اضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما اعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم اني اسالك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول، اللهم اسالك النعيم يوم العيلة، والامن يوم الخوف، اللهم اني عائذ بك من شر ما اعطيتنا، ومن شر ما منعتنا، اللهم حبب الينا الايمان وزينه في قلوبنا، وكره الينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، واحينا مسلمين، والحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين اوتوا الكتاب اله الحق" (اخرجه الامام احمد والنسائي). وفي الحديث المرفوع: "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن"، ثم قال: {فضلا من الله ونعمة} اي هذا العطاء الذي منحكموه، هو فضل منه عليكم، ونعمة من لدنه {والله عليم حكيم} اي عليم بمن يستحق الهداية، ممن يستحق الغواية، حكيم في اقواله وافعاله وشرعه وقدره.

النص: $4 - ان الذين ينادونك من وراء الحجرات اكثرهم لا يعقلون - 5 - ولو انهم صبروا حتى تخرج اليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم % ثم انه تبارك وتعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه كما يصنع اجلاف الاعراب فقال: {اكثرهم لا يعقلون}، ثم ارشد تعالى الى الادب في ذلك، فقال عز وجل: {ولو انهم صبروا حتى تخرج اليهم لكان خيرا لهم} اي لكان لهم في ذلك الخيرة، والمصلحة في الدنيا والاخرة، ثم قال جل ثناؤه داعيا لهم الى التوبة والانابة {والله غفور رحيم} وقد ذكر انها نزلت في الاقرع بن حابس التميمي رضي الله عنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية: يا رسول الله، فلم يجبه، فقال: يا رسول الله ان حمدي لزين، وان ذمي لشين، فقال: "ذاك الله عز وجل" (اخرجه الامام احمد). وعن البراء في قوله تبارك وتعالى: {ان الذين ينادونك من وراء الحجرات} قال: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، ان حمدي زين وذمي شين، فقال صلى الله عليه وسلم: "ذاك الله عز وجل" (اخرجه ابن جرير)، وعن زيد بن ارقم رضي الله عنه قال: اجتمع اناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا الى هذا الرجل، فان يك نبيا فنحن اسعد الناس به، وان يك ملكا نعش بجناحه، قال: فاتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته بما قالوا، فجاءوا الى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد .. يا محمد، فانزل الله تعالى: {ان الذين ينادونك من وراء الحجرات اكثرهم لا يعقلون} قال: فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم باذني فمدها، فجعل يقول: "لقد صدق الله تعالى يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد" (اخرجه ابن ابي حاتم وابن جرير).